الخميس، 2 أبريل، 2009

إشكالية التجريب في مسرح السيد حافظ


إشكالية التجريب في مسرح السيد حافظ







إعداد و تقديم









تقديــــــــــــــــــــــــــــم
د. مصطفى رمضاني


حين نستقرىء الريبرتوار المسرحي العربي أفقيا، يسترعي انتباهنا توا تربع المبدع المسرحي السيد حافظ على عرش التجريب، سواء على مستوى الكم أم على مستوى الكيف. فقد أبدع ما يناهز الأربعين عملا مسرحيا استحضر فيها مختلف الأساليب الفنية و الاتجاهات الدرامية الحديثة و المعاصرة. ولكنها جميعا تظل وفية لمبدإ التجريب.
ومعلوم أن التجريب في المسرح العربي يظل موصولا بإشكاليتي التأسيس و التأصيل، حتى لا نكاد نفصل-أحيانا- بين هذه المستويات الثلاثة. فالمبدع المسرحي العربي حين يجرب الأشكال الدرامية من منطلق الحداثة، إنما يكون بصدد القيام بفعل التأسيس، نظرا لغياب القاعدة الجمالية الأصل التي يمكن أن تكون منطلقا أو قاعدة لفعل التجاوز الذي هو سمة أي تجريب.
والسيد حافظ يعي جيدا هذا المعطى الذي هو في جوهره معطى إيبستمولوجي. لذلك فهو يراهن على مستويين لتحقيق هذا البعد التجريبي الحداثي في مسرحه. وأعني بهما مستوى الكم


و الكيف معا. فوفرة الإنتاج سبيل للانتقال من مرحلة الكم إلى مرحلة الكيف. و لايمكن معاينة أثر التجريب المسرحي بالملموس، إلا ضمن ريبرتوار يبرهن على نجاعة التجربة في إطار التعدد و التنوع.
ولعل نظرة سريعة إلى الريبرتوار المسرحي للمبدع السيد حافظ، يؤكد هذا الغنى وذلك التعدد. فهو كاتب عايش مراحل الانتكاسات العربية، وعاين مرارة التناقضات الاجتماعية التي أفرزت كتابات غاضبة أحيانا، ويائسة حينا، وحالمة أحيانا أخرى. وبين الغضب و اليأس و الحلم، تستمر الكلمة الصادقة مبشرة بكل القيم التي تدعو إلى إنسانية الإنسان، وحيوية الحياة، وما إلى ذلك بما يؤمن به كل مبدع ملتزم و جاد وأصيل.
والسيد حافظ من طينة الكتاب الذين راهنوا على الكتابة، في زمن تضاءلت فيه قيمة الكلمة، بسبب كثرة الإحباطات، واتساع رقعة الخيانات، وتفشي ظاهرة التسيب الثقافي و الفني. فهو المرابط في رحاب الكلمة: يكتب في صمت و تواضع، بعيدا عن الأضواء و" الطبول الخرساء"؛ لأنه يؤمن بأن الأصيل سيظل أصيلا، وإن تعددت الأقنعة، وتنوعت أساليب الزيف و الدجل..
لأجل ذلك، نجده يراهن على التجريب لتحقيق فعل الاختراق. وهي صفة لازمة في الإبداع الأصيل الذي يخترق كل الحواجز، ليصل إلى المتلقي في كل مكان و في كل زمن. وحين نقرأ نصوص السيد حافظ، نحس بهذه الصفة، لأنه يكتب للإنسان دون مراعاة لمكانه أو زمنه، تماما كما عند كبار المبدعين الخالدين الذين يخترقون فعلي الزمن و المكان بما أوتوا من قوة التأثير بالإمتاع و الإقناع.
ونحن إذ نصدر هذا الكتاب، إنما نستجيب لهذه القوة: قوة التأثير، لأن نصوص السيد
حافظ فعلا تمتلك القدرة على الإمتاع و الإقناع. فهي نصوص تجمع بين شعرية اللغة بطابعها الانزياحي، وبين حس بناء الشخصيات، وتركيب الأحداث وتنوعها وغناها؛ فضلا عن الأسلوب العجائبي الذي هو نتاج خيال خصب، وذكاء و موهبة أصيلة... وهي كلها أمور تبرهن على مدى غنى هذه التجربة الإبداعية التي تشكل حالة خاصة في المسرح العربي ، حري بأن يليها النقد ما تستحقه من عناية. فهي تجربة غنية بمكوناتها الأدبية و الجمالية و التقنية. وسيجد فيها الدارس ما هو قمين بإغناء التجربة المسرحية العربية: إبداعا و نقدا.
ولاأخفي عن القارىء الكريم أن هذا الغنى هو الذي كان وراء اهتمامنا بكتابات السيد حافظ عامة، وبكتاباته المسرحية على وجه الخصوص. بل إن هذا الغنى نفسه هو الذي أهل نصوصه المسرحية لتكون مادة للدرس الجامعي الأكاديمي في مستواه العالي.
فمن خلال البحث في إشكالية التجريب في المسرح العربي – الذي هو أحد محاور الدراسات العليا في جامعتنا – كان لا بد من الوقوف عند تجربة السيد حافظ المسرحية للبحث عن الأسس الجمالية فيها باعتبارها نموذجا للتجريب. وها نحن اليوم نقدم ضمن هذا الكتاب جزءا مما انتهينا إليه في تلك الوقفة العلمية. والكتاب في أصله مجموعة أبحاث أنجزها طلبة الدراسات العليا. ونظرا لأهميتها، ارتأينا طبعها مجتمعة، تعميما للفائدة من جهة، وتقديرا للجهود التي ما فتىء يبذلها المبدع السيد حافظ قصد ترسيخ كتابة مغايرة تؤمن بالاختلاف و التنوع .
د. مصطفـى رمضـاني
وجدة في 20 يناير 2004.









عن التجريب والتأصيل في مسرح السيد حافظ
قراءة في مسرحية "حكاية الفلاح عبد المطيع"


محمد السعيدي



ظل المسرحيون العرب طيلة عقود من بداية ممارستهم المسرحية يلتزمون تطبيق القواعد الأرسطية للكتابة الدرامية. وهذا يعني التقيد بوحدة الحدث والزمان والمكان، فكان الخطاب المسرحي بذلك يسعى إلى تحقيق الإيهام بالواقع من خلال محاولة إنتاجه بطريقة شبه فوتوغرافية.
بيد أن اطراد التجارب وتراكمها، وانفتاح المسرحيين العرب علىالتجارب الغربية الرائدة، ساعد على بروز كتابات نصية وركحية تروم تجاوز النموذج التقليدي، عن طريق التجريب الذي ابتدأ في شكل محاولات فردية، ثم لم يلبث أن أصبح "ظاهرة عامة تستهدف الخروج من قيود التقاليد المسرحية المألوفة في الدراما الواقعية لدى كتاب ركزوا إنتاجهم المسرحي داخل الأشكال التجريبية". وقد ارتبطت هذه الظاهرة بسنوات السبعين، وبجيل جديد من المتقنين العرب الذين راموا ارتياد عوالم مجهولة وصياغة أشكال جديدة.
"وربما كان السيد حافظ هو أكثر كتاب هذا الجيل شغفا بالتجريب. وهو تجريب لا يقف عند حد ولا يتوقف، حتى ليبدو مسرحه مسرحا للتجريب بلا هدف، فعلى الرغم من غزارة إنتاجه –إلى حد ما- بالنسبة لكتاب جيله، إلا أنه لم يتوقف عند شكل بعينه".
منذ مسرحيته الأولى (1971م) بدت جرأته الإبداعية في اقتحام لغات جديدة لم يستسغها البعض وتساءل في استنكار : "وما الذي يمكن أن تفهمه الجماهير من مؤلف يسمى محاولته الأولى "كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى"؟".
ومسرحياته التي تلتها لم تخرج عن هذا الخط، فهي تعلن انزياحهاعن المألوف بدءا بالعناوين : "حدث كما حدث ولكن لم يحدث أي حدث" 1972- "الطبول الخرساء في الأودية الزرقاء 1972- هم كما هم ولكــن ليسوا هم الصعاليك 1977... إنها عناوين غريبة ومثيرة "تكشف عن رغبة دخيلة في التمرد والثورية كما تكشف عن شغف أثير بالتجريد والتجريب". وقد تقلب في هذه المسرحيات بين أغلب اتجاهات المسرح الطليعي من تعبيرية وعبثية وتجريدية وغيرها. لكن مسرحيته "حكايـــة الفلاح عبد المطيع" فيما يبدو، كون آخر جديد، ربما كان حوصلة سنوات من الهدم والتمرد، وخلاصة عقد في خضم التجريب والبحث الدؤوب.
هذا ما تروم هذه القراءة، وهي تتأمل هذا الكون المسرحي، التأكد منه دون أن تغفل ما تحفل به هذه المسرحية من جوانب التجريب التي تربطها بسابقاتها من مسرحيات السيد حافظ.
1 - مؤشرات البعد التغريبي (قراءة في العنوان والاستهلال)
أ- العنوان :
وضع السيد حافظ لهذه المسرحية- وكعادته في مسرحيات أخرى- عنوانين اثنين : العنوان الأول هو : "ممنوع أن تضحك، ممنوع أن تبكي"، والثاني هو : "حكاية الفلاح عبد المطيع". يركز العنوان الأول على الحدث العام والمثير في المسرحية وهو منع الضحك ومنع البكاء، بينما يركز الثاني على اسم البطل المحكي عنه.
"_ممنوع أن تضحك ممنوع أن تبكي" : كل الألفاظ الأساسية في هذا العنوان تؤشر على الصراع : (ممنوع – تضحك – تبكي). والتركيب المزدوج للعنوان يؤشر من جانبه على تقابل يحمل بعد التنافر والصراع، ويزيد من درامية الموقف. إنها أقصى درجات القمع الذي يمتد إلى أخص خصوصيات الإنسان، ونعني بذلك التعبير عن مشاعره. فمعلوم أن الضحك أو البكاء غالبا ما يكونان استجابة تلقائية لظروف أو مواقف محددة. وعليه فلا يعقل أن يتم منعهما أو إخضاعهما للأوامر... وهكذا وظف السيد حافظ التوازي والتقابل لإبراز حدة المفارقات في المسرحية.
وعلى الرغم من أن هذا العنوان يبدو أكثر إثارة، فإن المؤلف آثر العنوان الثاني: أي "حكاية الفلاح عبد المطيع". فقد اختاره عنوانا لكتاب يضم عددا من المسرحيات الأخرى، إضافة إلى هذه المسرحية طبعا، وبعض الدراسات لكتاباته. وبهذا العنوان ستشتهر المسرحية، ربما لطابعه المختصر الذي يسهل تداوله.. لكن الواضح أن هذا العنوان يزيل كل ما قد يمارسه العنوان الأول من إغراء أو تضليل للقارئ. إنه يسعى بطابعه المحدد إلى تحديد المضمون، وتكسير الإيهام لدى المتلقي، بهدف جعله يتخذ مسافة مما يعرض عليه، تجنبا للتماهي المطلق مع أحداث المسرحية، وحفاظا على المسافة الضرورية التي تمكنه من اتخاذ موقفه الخاص مما يقدم له.
ولا يعني هذا أن عنوان المسرحية قد أغلق أفق انتظار القارئ، ولكنه حدده وعينه. ولعل لفظة "حكاية" الواردة فيه تؤكد قصدية المؤلف في تخليص المتلقي من أي توهم بواقعية ما يحدث في المسرحية.
فهذا العنوان بطابعه العام والمحدد في الوقت ذاته، يسعى إلى تكسير الإيهام وتنبيه المتلقي إلى أنه إزاء حكاية (مجرد حكاية)، تقتضي منه اليقظة المستمرة لممارسة النقد والتقييم لمختلف عناصر هذا الكون الحكائي المسرحي.
ب- الاستهلال :
التأشير على الحكي :
في بداية المسرحية يظهر الراوي ويقول :
"سيداتي ... آنساتي...سادتي... هذه الليلة سنعود إلى الوراء، إلى زمن كان الإنسان مفقود القيمة، يهان، كان الإنسان الحيوان قوي النفوذ والسلطان، هذه الليلة نقدم لكم حكاية، وحكايتنا ليست عن هاملت أو هنري الرابع أو حتشبسوت أو نابليون أو أي ملك من ملوك الأرض".
قد تبدو هذه الإشارات من قبيل الزيادات، لأنها لا تؤثر في الحدث المركزي ولا تضيف جديدا إليه. بيد أن أهم شيء تقوم به هو الإشارة إلى أننا بإزاء حكاية. ومن ثم فهي تدعو المتلقي للمشاركة بغية تحقيق نوع من الفرجة النقدية التي يلح عليها بريخت.
الإطار الزمكاني وطابع اللاتحديد :
من جهة أخرى، فهذا الاستهلال وإن كان يشير إلى زمن المسرحية (سنعود إلى الوراء)، أي الزمن الماضي. فهو لا يحدده بوقائع معينة لها ارتباط بمكان وعصر محدد... إنه "زمن كان الإنسان مفقود القيمة يهان، كان الإنسان الحيوان، قوي النفوذ والسلطان"، إن هذا الزمن روح قبل كل شيء وإحساس وظلال نفسية وفكرية.
لا شيء يحدد هذا الزمن سوى أن الإنسان فيه مفقود القيمة يهان. في حين أن الإنسان الحيوان يستبد بالسلطان. وهذه مؤشرات يضعنا من خلالها هذا الاستهلال في قلب الصورة. إن الأمر يتعلق بقضية العلاقة بين الحاكم (المستبد) والمحكوم (المقهور)...وهي إحدى القضايا التي لا تربط بزمن محدد.
أما المكان في المسرحية فهو مصر، حسب ما يتضح من خلال قول الراوي : "في كوخ". ويضيف الكورس : على شاطئ النيل".. وهو يبدو هنا محددا. إلا أن حرص السيد حافظ على ألا يكون الديكور واقعيا : "يفضل الديكور المتحرك البسيط المجرد وقطع الإكسسوار البسيطة"، يؤكد رغبته في تمكين المتلقي من ممارسة التأويل، وعدم سجنه داخل بؤرة واحدة ضيقة.
بهذا تتجاوز المسرحية حدود الزمن والمكان المتعارف عليهما، لتشكل إطارها الخاص الذي تعبر من خلاله عن قضية لا تخص زمانا ولا مكانا بعينه... إنما هي قضية كل عصر ومصر يسود فيه الاستبداد والقهر والتسلط... وللقارئ/المتفرج الحق في قراءتها وتأويلها باستحضار واقعه الخاص إن شاء.
"عبد المطيع" بطل أم لا بطل :
أمر آخر يشير إليه هذا الاستهلال، وهو "بطل" المسرحية : "حكايتنا ليست عن هاملت أو حتشبسوت أو نابليون.. أو أي من ملوك الأرض". وهذا ما أثار استغراب الجوقة الذي يوحي به تساؤلها الاستفهامي : "عن أي شيء تحكي إذن؟". وهو يعكس استغراب شرائح عديدة من متلقي المسرح الذين تتحكم فيهم الخلفية النصية التقليدية. فقد ارتبط البطل في المسرح الكلاسيكي "بشخصيات ذات قيمة عالية مختلفة عن عامة البشر وأحيانا خارقة في اتجاهين هما القيمة الاجتماعية والانتماء من جهة، والقيمة الذاتية أي الصفات والقدرات الشخصية من جهة ثانية".
هذا يوضح لنا مسوغ النفي الوارد في كلام الراوي. فمن خلاله يؤكد المؤلف انزياح مفهوم البطل عنده عن المفهوم التقليدي.
وعندما يشير الراوي إلى أن عبد المطيع هو فلاح فقير، أجير.. نتأكد أن مفهوم الشخصية الرئيسية عند المؤلف يساير مفهومها في المسرح الحديث، حيث تحولت في أحيان كثيرة لحالة معاكسة تماما لمفهوم البطل. وهذا هو اللابطل Anti-héros الذي نجده في المسرح التعبيري في ألمانيا، ولاسيما مسرح الألماني برتولد بريخت. الذي بلور شخصية الرجل الصغير أو العادي الذي لا يحمل أية صفة من صفات البطولة.
إن عبد المطيع شخصية هامشية. ذلك ما تؤكده أحداث المسرحية. فهو إنسان واقعي يتصور الواقع كما هو ويعيشه كذلك، كسول لا يعمل، يقنع من الحياة بما تيسر، سلبي ومسالم. وهو شأنه شأن باقي أبطال السيد حافظ يبحث عن الممكن وليس عن المحال. يبحث عن مدينة يغيب فيها (ممارسة القهر على المواطن، وطمس كيانه ومسخه بتمريره على أجهزة القهر والعجز والتخلف). فإذا كان "سيزيف" البطل العبثي الوجودي قد تسرب إلى مسرح السيد حافظ من خلال مسرحيته (سيزيف القرن العشرين)، وكان "أبو ذر الغفاري" الصحابي الجليل الممسك بسيف الحق القابض على الجمر رمز التمرد عنده، وهو تمرد يقرن الفعل النظري بالفعل العملي، فإن عبد المطيع شخصية واقعية بسيطة تعاني الفقر. إنه يعيش داخل آلة جهنمية اسمها المجتمع، وهو مطالب بالطاعة كما يؤشر على ذلك اسمه، داخل البيت وخارجه... لكنه مع ذلك شخصية غريبة الأطوار، تجمع بين التفاهة و"العظمة"، السطحية والعمق، يلفها الغموض، وإن بدت واضحة في الظاهر. فهل فعلا كان عدم امتثاله للأوامر عفويا وغير مقصود ؟ لنستمع إلى أول ما ينطلق به عبد المطيع في هذه المسرحية : "يومان بلا عمل، أنت أنا (ينهق الحمار) أعرف أنك غاضب، عندما تكون عاطلا تغضب مني من الدنيا من كل شيء.. السبب ليس مني.. لست مسؤولا عن شيء مما حدث أتفهم ؟.. أنت تفهم أكثر من أي شخص في هذه الضاحية، أنت تفهم أكثر من رئيس الشرطة وشهبندر التجار ومن أم بثينة.."
إن مثل هذا الكلام المثقل بحمولات فكرية وسياسية كبرى لا يرجح أن يصدرعن فلاح بسيط كعبد المطيع. وحتى لو افترضنا إمكانية حدوث ذلك، فإن الأسئلة التي يطرحها فيما بعد وهو يحاور صهره من قبيل : "من أتى بالمماليك إلينا ؟ ومن أتى بالسلاطين إلينا ؟". أسئلة حقيقة ومقلقة تؤكد غرابة شخصية البطل، وحضور المؤلف الذي يمرر خطابه من خلال شخصيات مسرحيته.
II – "حكاية الفلاح عبد المطيع" بين الواقعي والمتخيل :
تحكي المسرحية كما اتضح حكاية فلاح اسمه عبد المطيع، يعيش حالة فقر مدقع، تعاني معه زوجته وأبناؤه الضنك والشقاء، في حين ينعم سلطان المدينة بالغنى والثراء بمعية حاشية متملقة تخدمه، وتخدم مصالحها ولو على حساب الناس. ومما يبرز استبداد الحاكم، أنه يصدر فرمانا يتضمن أوامر بأن يرتدي كل فرد ملابس سوداء تعبيرا عن حزنه على مرض عين السلطان. إلا أن عبد المطيع لم يسمع بالأوامر لذلك يعاقب بالسجن. ويشفى السلطان فيصدر فرمانا آخر يأمر فيه بارتداء اللباس الأبيض تعبيرا عن الفرح. ومرة أخرى لا يسمع عبد المطيع- الذي كان طريح الفراش- الأوامر، فيعاقب لأنه أبقى على لباسه الأسود. ويضيق ذرعا بهذا الحال، فيحاول السلطان إغراءه وذلك بتعيينه قاضي القضاة لإسكاته ربما. بيد أنه يرفض لأنه يفضل، كما يصرح في نهاية المسرحية أن يكون من العراة.
لقد استطاع السيد حافظ أن يلتقط هذا الحدث ويصوغه في قالب درامي مسرحي، ويشحنه بدلالات وأبعاد رمزية وفكرية تثير فينا النقمة والكراهية لكل نظام مستبد يحاول قهر الإنسان وسلبه إرادته وحريته.
إن هذه المسرحية وإن كانت ممتعة في بعض جوانبها، فهي لا تبعث على السرور. إنها تستثير الهمم، وتدعو ضمنيا ودون تقريرية مباشرة، إلى اتخاذ موقف إزاء الظلم والاستبداد... وعليه فقد استطاع السيد حافظ بفضل تجربته لهذه الحيلة الذكية، أن يطعم النص بحدث تغريبي يجعل موضع الغفلة عند "عبد المطيع" مدعاة للمتلقي، كي يتعامل مع هذه اللقطة بيقظة عقلية لا تستلم للعواطف. فغياب الفعل عند "عبد المطيع" يمارس حضورا خفيا لدى المتلقي كي يدرك حقائق السلطة.
من جهة أخرى، فإن هذه المسحة الفنتازية التي أضفاها المؤلف على مسرحية قد وفرت لها عناصر التشويق والإثارة. فأن يعلن الحزن العام في البلاد، ويرتدي الجميع ملابس سوداء، ويدورون على أبواب المساجد، ويصلون ركعتين عقب كل صلاة حتى تشفى عين الملك، وأن يلزموا بعد شفائه بإظهار الفرح بارتداء ملابس بيضاء... مثل هذا الأمر يبدو خياليا مستبعد التحقق في الواقع، ولكنه غلف المسرحية بطابع شبه أسطوري مثير زاد من عوامل التغريب فيها. ولا يخفى ما فيه من مبالغات تروم إبراز المفارقات الصارخة التي تحكم علاقة الحاكم بالمحكومين داخل مجتمع القهر والاستبداد. ويسعى المؤلف من خلال ذلك إلى إثارة المتلقي، ومواجهته بهذه الحقيقة المرة، لتحفيزه على اتخاذ الموقف المناسب: أي رفض هذا الواقع الفوضوي غير العادل...
ولقد استطاعت هذه المسرحية، برغم ما فيها من حضور للخيالي (شبه الأسطوري)، أن تقنعنا بوجودها وارتباطها بالواقع، بفضل ما وفره لها المؤلف الذي استطاع أن يحملها آهات أبناء الشعب ومعاناتهم وآمالهم. بل إن هذا المزج بين الواقعي والمتخيل هو الذي يفسح المجال للمتلقي لتوظيف مخزونه الثقافي الذي يكون من خلاله نصا مسرحيا آخر هو غير نص المؤلف: إنه نص المتلقي، أو القطب الجمالي بتعبير أصحاب نظرية التلقي.
وربما تبادر للذهن أن التداخل بين الخيال والواقع، قد يجعل المسرحية متفككة البناء. لكن الواقع أن هذا التداخل واحد، مما يمنحها خصوصيتها. فمن خلاله برزت قدرة المؤلف على صهر "الخيالي" في إطار الواقعي، وتجاوز المألوف للتحليق في دنيا الخيال.


-III "حكاية الفلاح المطيع" بين تحيين التاريخ واستلهام الموروث الشعبي :
أ- تحيين التاريخ :
بموازاة انفتاحها على عوالم خيالية، ولو نسبيا، فقد عمدت المسرحية إلى استحضار لحظات تاريخية دالة تجسدت في عصر المماليك -وهو أحد عصور الاستبداد- الذي انتقى منه المؤلف حدثا تاريخيا عمل على مسرحيته من منظور عصري حداثي، عن طريق الجمع بين الماضي والحاضر. وهذا ما يعبر عنه عادة "بالتحيين".
ولان التاريخ "الرسمي" لا يحفل بالمهمشين كما يوحي بذلك كلام الجوقة : "أين التاريخ لينزل من عليائه ليرى الشوارع ليرى ماذا يفعل الملوك والسلاطين بالشعوب"، فلا ينتظر أن يكون هذا الحدث المنتقى - وهو يرتبط بأحد النماذج المهمشة- موثقا. وإلى هذا يشير الراوي بقوله : "العاقل من يفهم أن اسم بطلنا ليس في سجلات التاريخ السلطاني أو المملوكي وشجرة عائلية ليست مسجلة في كتب التاريخ ولا تدرس حياته في المدارس".
لم تكن غاية المؤلف هي استنساخ التاريخ، ولكن إعادة كتابته بمراعاة ذوق المتلقين والظروف المستجدة في المجتمع، في محاولة لإمداد المسرحية بعناصر لا نهائية لا تحملها بالضرورة على التقيد بالواقع. وعليه فليس ضروريا أن يكون هذا الحدث قد وقع بحرفيته في فترة من فترات التاريخ.
ولعل أبرز شخصية تم استقدامها من التاريخ- فيما يبدو- هي شخصية "قنصوة الغوري" سلطان المدينة. وإذا ما استثنينا هذا الاسم الغريب وبعض جوانب غرابة الحدث، وكذا طريقة إعلام الناس بالأخبار (الفرمان ودق الطبول).. فلا شيء يوحي بانتماء الشخصيات أو الأحداث إلى التاريخ (الماضي). وهذا ما أشرنا إليه ونحن بصدد الحديث عن زمن المسرحية. فقد تعددت الأسماء، لكن المسميات واحدة. فلكل عصر "قنصوته" الذي يخضع الشعب بالقمع والإرهاب. وبهذا لم تداعب المسرحية خيال الفقراء المستضعفين بأحلام زائفة، شأن بعض المسرحيات الميلودرامية. ولكنها حاولت هزهم وصدمهم بالحقيقة المرة والواقع الجاثم على أنفاسهم. فالفقراء مضطهدون في كل زمان، فماذا هم فاعلون ؟
لقد أعاد السيد حافظ صياغة شخصية "قنصوة الغوري"، وعلاقته بالرعية دراميا بما يتفق مع البعد الواقعي لها. وربما فسر هذا الأمر بكونه محاولة لتجنب الإشارة المباشرة لحاكم بعينه درءا للنقمة. لكن الواضح أن لهذا الإجراء بعدا جماليا بالأساس. فاستلهام هذا الجو التاريخي (شبه الأسطوري) أنقذ المسرحية من رتابة التعبير المألوف والمباشر عن الواقع، وأضفى عليها بعدا تخييليا يثير المتلقي، ويحفزه على المشاركة في تشكيل المسرحية وتصور أحداثها، ومحاولة الكشف عن العلاقات القائمة بين شخوصها والمساهمة في حدودها وأبعادها، وبذلك نقله من موقع المتلقي السلبي إلى موقع المتلقي المشارك.
إلى جانب هذا فقد أسهم استلهام التاريخ- في هذه المسرحية- في تجاوز الأسلوب السياسي المباشر لصالح إيحائية النص. وكان وسيلة خولت للسيد حافظ، وكغيره من الدراميين العرب، "التحرر من نثرية الواقع والتحليق في مدارات شعرية المتخيل عبر كتابة درامية جديدة تثير المتلقي وتخلخل أفق انتظاره".
ب- استلهام الموروث الشعبي :
توظيف التراث في العمل الإبداعي أصبح تقليدا رائجا في أغلب الأجناس الأدبية. وبالنسبة للمسرح العربي، فقد استأثر هذا الموضوع باهتمام كبير. فإذا كانت غاية التأصيل هي البحث عن أشكال فرجوية جديدة، فإنه لم يكن بالإمكان تحقيق هذه الغاية.. إلا من خلال اللجوء إلى التراث الشعبي، نظرا لما يختزنه من أدبيات وظواهر احتفالية يتمفصل في نطاقها النشاط الروحي والاجتماعي والفني للإنسان العربي".
في مسرحيته هذه، "حكاية الفلاح عبد المطيع"، لجأ السيد حافظ إلى التراث الشعبي الفرجوي، فاستحضر أحد وجوهه وهو "الراوي" ذلك القاص الشعبي الذي "يعرض" على جمهوره سيرة عنترة وسيف بن ذي يزن وغيرهما من السير في فضاء تتألق فيه المرويات والشعريات والمرتجلات واللغات الجسدية..
يتدخل "الراوي" أكثر من ثماني مرات في المسرحية. يظهر في البداية للإعلان عن بداية الحكي، والتمهيد لأحداث المسرحية بتحديد زمانها ومكانها وبطلها وبدايتها.. في بداية الفصل الثاني، تدخل للتأشير على انتقال أحداث المسرحية إلى مكان آخر، ودخول شخصيات أخرى حلبة الصراع (السلطان والوزراء والمستشارين..). كما قد يعمل على الربط بين أحداث المسرحية المتفرقة، والإشارة إلى تحول شكل الصراع أو نموه.. ودائما يرد كلامه في إطار حوار مع الجوقة أو الكورس :
"الكورس : وارتدت كل المدينة السواد إلا هو عبد المطيع.
الراوي : دعونا نر ماذا حدث ؟"
في أحد تدخلاته عمل "الراوي" على التهييئ لنقلة فنية تتجلى في استعادة أحداث ماضية (تقنية الفلاش باك)، وذلك عندما هم "عبد المطيع" بسرد مشكلته مع زوجته على صديقه "مرسي".
ولم تقف وظيفة هذا الراوي والكورس والجوقة عند هذا الحد، وإنما تعدته إلى التعليق على الأحداث، بما يؤكد عدم حيادها :
"الراوي : أين المصابيح يا رجال لهذا الرجل.
المصابيح مفقودة.. خارج القصر الأبواب والنوافذ مغلقة.. هذه السكة أمامكم. إنه النفاق.. لم يدر الرجل أن الفرمان قد صدر بارتداء الملابس البيضاء من يحمل هموم عبد المطيع ؟ النجمة ؟ البحر ؟ السيف ؟ الزهور ؟
الجوقة : كل الأيام مطعونة، الشريف فينا مطعون.. هذا زمن رديء.."
هاهنا ومن جديد، تبرز ذاتية المؤلف الذي يأبى إلا أن يمرر خطابه بهذه اللغة الشعرية الحزينة، ويصر في موضع آخر من خلال حوار الراوي مع الجوقة على أن يحمل المسرحية بعض مفاهيمه عن المسرح. وقد تجلى ذلك من خلال جواب الراوي على الجوقة في بداية المسرحية : "الجوقة : انتظر... هذه المسرحية لابد لها من بداية ووسط ونهاية.
الراوي : لسنا في قاعة تدريس الدراما".
لا يخلو هذا الكلام من قصدية واضحة، للتعبير صراحة عن تجاوز المنظور التقليدي للمسرح الذي يرتبط كما يومئ إلى ذلك كلام الراوي بقاعات التدريس فقط.
هكذا لجأ السيد حافظ إلى استلهام شخصية "الراوي" من الموروث الشعبي باعتباره أصلا عربيا يحقق بعد المشاركة والتغريب وتكسير الإيهام، وباعتباره محورا ينظم الحدث المسرحي، وينسق أجزاء المسرحية وفق منظور خاص لا يخضع لمنظور المسرح الغربي.
ولا بأس من الإشارة إلى أن "الراوي" والموروث الشعبي بشكل عام يمثل جزءا من متخيل المتلقي العربي. وعليه فإن توظيفه من لدن السيد حافظ يعتبر بمثابة مراعاة لهذا البعد.
خـــاتمــــة
وتجدر الإشارة في ختام هذه القراءة إلى أن المسرحية غنية بمواطن التجريب، إن على مستوى الحوار، أو اللغة، أو المكونات الدرامية، أو المعينات الركحية (الإشارات المسرحية) التي تؤكد حضور هاجس العرض لحظة كتابة النص.. وما كان بالإمكان الإلمام بكل ذلك في عرض محدود الصفحات.
بيد أن أهم ما نود تأكيده هنا هو حضور هاجس الكتابة الضد (الجديدة) في هذه المسرحية، بدءا بعنوانها، مرورا باستهلالها، وصولا إلى مختلف مكوناتها الجمالية والفنية التي انزاحت عن كثير من قواعد المسرح التقليدي.. وارتادت عوالم خيالية وتاريخية وتراثية كما اتضح.
وبذلك كانت مسرحية "حكاية الفلاح عبد المطيع" فعلا، بداية مرحلة مسرحية جديدة في مسرح السيد حافظ. وهي مرحلة التأسيس التي تأتي عادة بعد فوضى الهدم والتجريب. ففي هذه المسرحية يعود السيد حافظ إلى
التراث العربي وإلى الوجدان الشعبي وذلك من أجل صياغة لغة مسرحية، لغة تملك القدرة على التعبير عن هم العربي وعن فكره وعن روحه.
لائحة المراجع
"البناء الفني في أدب المسرح المصري المعاصر"، السعيد الورقي.
"إشكالية التجريب في مسرح السيد حافظ"، أطروحة لنيل دبلوم الدراسات العليا، إعداد بنيونس الهواري، تحت إشراف : د.مصطفى الرمضاني، كلية الآداب ، وجدة ، المغرب. موسم 1999-2000.
"حكاية الفلاح عبد المطيع"، السيد حافظ، مطابع صوت الخليج، 1982.
"في مسرح السيد حافظ"، الجزء الأول، دراسات، مكتبة مدبولي، مصر، 1988.
"المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة"، حسن المنيعي، الطبعة الأولى، 1415هـ-1994.
"المعجم المسرحي"، حسن قصاب وماري إلياس.












قراءة في مسرحية (حلاوة زمان) أو "عاشق القاهرة""



محمــد المحــراوي


مقدمـة:
رافق نشأة* المسرح العربي الجنوح إلى استلهام التراث بتوظيف مواده وقصصه، لدى المسرحيين العرب في أعمالهم الإبداعية، وازدادت هذه الظاهرة حدة في العقود الأخيرة،خصوصا بعد أن أصبحت خاضعة لضوابط ومناهج سطرها المسرحيون العرب الذين فتحوا باب التنظيرات في المسرح العربي ، منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين.
والخاصية التي يتميز بها المسرحيون العرب في توظيفهم للتراث في إبداعاتهم هي التعامل الانتقائي مع التراث، بالتركيز على الأحداث الجليلة في تاريخ الأمة العربية والإسلامية لإحياء مفاخرها وأمجادها، في هذا العصر الذي أصبح فيه العرب والمسلمون أمة مهزومة ومهلهلة،فيتم استحضار التراث لإثبات أن العرب كانوا في زمن مضى أسيادا ولم يكونوا عبيدا، لتكون الاستعادة للماضي المجيد بمثابة عقد مقارنة " بين الحاضر المتقدم للأخر وماضيه المتخلف من جهة، وبين الماضي المتقدم بالنسبة للذات العربية وحاضرها المتخلف من جهة أخرى".
هذا، كما يتميز التعامل مع التراث من قبل المسرحيين العرب بالاهتمام بالتاريخ غير الرسمي الذي مسته يد التشويه، كالثورات التي تقاد ضد الظلم والقمع، والموصوفة في كتب التاريخ بالفتن، كالثورة المعروفة بثورة الزنج على سبيل المثال. وأيضا يتم التركيز على ظاهرة الإعدامات التي كانت تنفذ في حق بعض الشخصيات المعارضة، بتهمة الإلحاد والردة. لهذا يلجأ المسرحيون إلى صياغة هذه الأحداث صياغة جديدة تحاول فضح الخفي، وإبراز
الدوافع التي يرونها حقيقية وراء هذه الثورات والإعدامات، والتي تكون دائما هي الانتفاض ضد الظلم والقمع الممارسين على أصحاب هذه الثورات المجوعين، أو تلك الإعدامات التي تمرر تحت يافطة الإلحاد والمساس بالمقدسات الدينية، والتي يكون الدافع الحقيقي إليها – حسب ما تبرزه الأعمال المسرحية – هي حب الحكام للسلطة، وخوفهم من أن تنفلت من بين أيديهم بسبب ما تقوم به تلك الشخصيات من فضح لهم، وتحريض للشعب ضدهم فيكون الحل هو إسكاتهم إلى الأبد.
ولا يحق للمتلقي أن يحاكم المسرحي بالصدق أو الكذب، لأنه ليس مؤرخا " فالعمل المسرحي يستقل عن المادة التاريخية، ويكون الحكم عليه بمدى توفيقه في إقناع المشاهدين أو القراء بأن الأحداث التي يعرضها أمامهم قد حدثت أو كان يمكن أن تحدث، فالإقناع هو الفيصل في هذا الموضوع".
والمسرحية التي نحن بصدد تحليلها تاريخية بامتياز. لذلك فإننا في تحليلنا هذا ركزنا على هذا العنصر. أي العودة إلى التاريخ لصياغة عمل إبداعي. وتوقفنا كذلك عند طبيعة اللغة الموظفة في هذه المسرحية. وخصصنا أيضا لما يسمى بالإرشادات المسرحية حيزا من هذا التحليل حتى لا يكون تحليلنا أدبيا صرفا.


1- توظيف التراث في مسرحية " حلاوة زمان" للسيد حافظ.
لا يصعب على المتصفح "للريبرتوار" المسرحي العربي أن يقف عند حقيقة مهمة، تنطبق على المسرح العربي عموما، وفي جميع فتراته، منذ العروض الأولى التي كان يقدمها مارون النقاش وصولا إلى عروض المسرحيين المعاصرين.
وتتمثل هذه الحقيقة في الرغبة الجامحة للمسرحيين العرب في الإمتاح من التراث من خلال استلهام مواده وقصه، سواء كان هذا التراث شعبيا أم رسميا.
ولم تكن العودة إلى التراث تتم من زاوية واحدة، كما لم تكن مواقف المسرحيين العرب من التراث واحدة. ولم تكن أيضا الأهداف والدوافع من وراء الارتماء في حضن التراث العربي واحدة. لكن بغض النظر عن ذلك، لن نكون مجانبين للصواب إذا قلنا إن العودة إلى التراث، كانت ولا تزال تمثل أسهل السبل وأيسرها- في نظر المسرحيين العرب، الأوائل منهم والمتأخرون-، للبحث عن الهوية للمسرح العربي، وذلك في اعتبارهم أن هوية المسرح العربي تكمن في تميزه عن المسرح الغربي الذي يعتبر المعلم والأستاذ المتوفر على الأدوات والتقنيات والأفكار، التي تشكل أكسجين ومقويات المسرح العربي، إن لم نقل الغذاء الذي تتوقف عليه حياة أو موت هذا المسرح. وفي الوقت نفسه يعتبر الغول المخيف الذي يهدد هوية المسرح العربي بالإقبار لوقت طويل.
وفي خضم هذه التساؤلات والإشكالات سنسلك سبيلا في هذه القراءة، نعتقد أنه سيجعلنا نتمكن من تقديم بعض الافتراضات – إن لم نكن من الجرأة في المستوى الذي يجعلنا نقول الأجوبة- بخصوص هذه التساؤلات بالنسبة للسيد حافظ، لا في مسرحياته كلها وإنما في المسرحية المستهدفة بالتحليل " حلاوة زمان أو عاشق القاهرة الحاكم بأمر الله".
لقد عاد السيد حافظ في هذه المسرحية إلى حقبة تاريخية ضاربة في القدم. وهو ما يشي به عنوان المسرحية، حيث إن أحداث المسرحية لا تكاد تتجاوز الحقبة الزمنية التي استغرقها حكم الخليفة الثالث للدولة الفاطمية، منذ أن وسعت من رقعتها بضم مصر وبناء عاصمتها القاهرة، اللهم إلا بعض الإشارات في بداية المسرحية للتعريف بمدينة القاهرة. وهو ما استدعى الوقوف عند بعض الأحداث البارزة في تاريخ الدولة الفاطمية كذلك، والمرتبطة بتأسيس القاهرة، أو الإشارة التي تنتهي بها المسرحية عند إعلان " الظاهر بالله" الخليفة الجديد بعد وفاة " الحاكم بأمر الله" عن بعض قراراته ، وذلك في النهاية الثانية المقترحة. ولكن هذه الإشارات مقتضبة وموجزة، كان إيرادها لغاية واضحة، سنقف عندها أثناء التوسع في التحليل. لذلك فلا مانع من القول إن الفترة التي قضاها "الحاكم بأمر الله" في الحكم، تشكل مسرح الأحداث من البداية إلى النهاية في هذه المسرحية.
ولتجنب السقوط في الأحكام المتسرعة والنتائج غير المنطقية، ارتأينا في هذا الجانب من القراءة اتباع خطة منهجية محكمة تقوم على محطتين:
أ - قراءة في مضامين" حلاوة زمان":
تتسيج أحداث مسرحية "حلاوة زمان أو عاشق القاهرة الحاكم بأمر الله" ووقائعها بسياج زمني محدد، ويحتضنها مكان محدد. وشخصياتها أغلبها واقعي كما توحي بذلك أسماءها ووظائفها. وأغلبها أيضا قد أسهبت الكتب التاريخية في وصفها والتعريف بسيرها، الشيء الذي يجعل أي تأويل للمسرحية لمحاولة إسقاطها على الحاضر نوعا من المجازفة التي لن تتحقق دون لي عنق الزجاجة كما يقال.
تبدأ المسرحية بظهور مجموعة من المؤرخين العرب القدماء على الركح ، وقد شرعوا في مستهل المسرحية بتقديم نبذة عن حيثيات تأسيس مدينة القاهرة، والإشارة بشكل موجز إلى الخليفتين" المعز لدين الله" و" العزيز بالله" جد وأب " الحاكم بأمر الله" . وقد اعتمد المؤلف تقنية المسرح داخل المسرح التي يقوم بها في النص المؤرخان المشهوران ابن
سعيد الأندلسي والناصري. فعندما يعمد هذان المؤرخان إلى ذكر بعض خصال وأفعال أحد الخلفاء الفاطميين الذين قد مر على وفاتهم فترة زمنية غير يسيرة،على زمن الحكي، كثيرا ما يتوقف الحكي ويقوم أولئك الخلفاء المحكي عنهم بتقديم أنفسهم من خلال بعض الممثلين. وبوصول ابن سعيد والناصري إلى عهد الخليفة " الحاكم بأمر الله" الذي يشكل موضوع المسرحية، يتركان العنان لشخصياتهم المتعددة لتقديم عهد الخليفة" الحاكم بأمر الله" بمختلف تناقضاته وصراعاته.
وتأكيدا لحضور تقنيتي الحكي والمسرح داخل المسرح في بداية هذه المسرحية التي بين أيدينا نقتبس النصين الآتيين:
" - مؤرخ 4: قال المعز لدين الله الفاطمي لجوهر الصقلي:
( ضوء على المعز لدين الله الفاطمي )
- المعز: يا جوهر لتدخل مصر من غير حرب.. وتبني مدينة تسمى القاهر لتقهر الدنيا.
جوهر: يا سيدي إني أفكر في تسميتها المنصورية"
" الناصري: وعندما انتهى تكوين وإنشاء العاصمة القاهرة وانتهى بناء قصورها ومسجدها الجامع الأزهر. ودخل المعز القاهرة عاصمته الجديدة في أوائل رمضان قال للناس:
- جوهر الصقلي: ( يرتدي العمامة ويصبح المعز لدين الله الفاطمي ) أنا المعز لدين الله الفاطمي جئت لمصر لا زيادة في الملك أو المال وإنما رغبة في الجهاد ونصرة المسلمين،وإقامة الحق والسنة"
قلنا في البداية إن أحداث المسرحية ووقائعها- زمنيا- مسيجة بسياج محدد، لأن الفترة الممتدة من 486 ه إلى 511ه . وهي فترة حكم الخليفة " الحاكم بأمر الله"، إلى تشكل الوعاء الزمني لأحداث المسرحية. أما فيما يخص المكان المحتضن لأحداث المسرحية، فهو موزع بين فضاءين اثنين: قصر الخلافة، وحي امبابة ولاسيما دكان فتحي محل الشواء .
وتجدر الإشارة إلى أن المسرحية تقوم على فصلين، يعمدان إلى تتبع الشخصية المحورية " الحاكم بأمر الله" مذ اليوم الأول من حكمه إلى أن تلفظ أنفاسه الأخيرة، لأن " الحاكم بأمر الله" يشكل بؤرة الأحداث الدرامية في هذه المسرحية. فهو يمثل المحور الذي تتلاقى عنده وتفترق جميع الشخوص. فهي جميعها تمتلك موقفا من شخص " الحاكم بأمر الله" ، تسعى بحسب قدراتها إلى تجسيده، إما من خلال الدعاء بأن يديم الله في حياته والتوق إلى الجلوس بين يديه، وإما من خلال عقد المؤامرات والدسائس في الخفاء من أجل الإطاحة بحكمه.
وتركز المسرحية بشكل أكثر على علاقات " الحاكم بأمر الله" برجال الدولة وبرعيته وبأهله، فتصور بشكل دقيق صرامته وقساوته على كل معتد سولت له نفسه مخالفة الأوامر، أو سولت له استغلال منصبه للسطو على أموال الشعب.كما تصور زهده وتقشفه، وإيمانه القوي، وكذلك اختلاطه بالرعية والاستماع إلى شكاواهم، وغير ذلك من الأمور التي تظهر الخليفة بمظهر الحاكم العادل والمؤمن القوي، ولم يكلف السيد حافظ نفسه عناء تطعيم مسرحيته بأحداث سياسية كانت تحدث في الدولة الفاطمية المترامية الأطراف، كالفتن التي كانت تشتعل في الشام و طرابلس، لاسيما ثورة أبي ركوة التي كادت أن تطيح بالدولة الفاطمية كما تذكر الكتب التاريخية.
فالمسرحية لا تتحدث عن عهد خلافة " الحاكم بأمر الله" برمته، بل تتحدث – وإن قلنا إن هذا العهد يشكل الوعاء الزمني لأحداث المسرحية- عن أحوال القاهرة وحاكمها وأهلها زمن الخليفة " الحاكم بأمر الله".
ب- الكيفية التي تعامل بها السيد حافظ مع التراث في " حلاوة زمان":
إذا كان التراث أهم مصدر يستهوي المبدعين المسرحيين، فإن الكيفية التي يتم بها توظيف التراث في الأعمال المسرحية تختلف من مسرحي إلى آخر، بل حتى من عمل مسرحي إلى آخر للمبدع الواحد، وذلك بسبب اختلاف الرؤية التي ينظر بها إلى التراث، وبسبب اختلاف الخلفية الأيديولوجية والفكرية لأي مبدع،و بسبب اختلاف الأهداف أيضا من وراء استحضار التراث من عمل مسرحي إلى آخر.
لكن هذا الاختلاف والتعدد لا يمنعنا من تحديد ثلاثة مواقف من التراث لدى المسرحيين العرب وهي :
*- اللجوء إلى التراث ( خصوصا التاريخ) بقصد التفاخر بالأمجاد، أمام ما أصبح يعيشه المجتمع العربي من فساد في جميع القطاعات. فكانت العودة إلى التاريخ السلاح الوحيد في أيدي المسرحيين العرب لإبراز كيف أن التخلف صفة طارئة على المجتمع العربي، ولم تكن ملازمة له.
*- إعادة تفسير بعض الأحداث التاريخية من منطلقات جديدة، وفق خلفيات أيديولوجية معينة ينطلق منها الكتاب، وإعادة كتابة التاريخ بسبب شعور رجال المسرح " بأن المؤرخين لم يكونوا أمناء في كتابتهم التاريخية لأسباب سياسية ودينية ومذهبية، وأغراض خفية".
*- التعامل مع التراث باعتباره مادة خصبة لاستقاء مواقف وأبعاد يتم إسقاطها على الحاضر. وهنا يصبح التراث مجرد رموز لتناول قضايا معاصرة.
وفيما يخص "حلاوة زمان"، فيمكن أن نقول إنها تندرج ضمن المستوى الثاني في التعامل مع التراث. فالسيد حافظ عاد إلى العهد الفاطمي،وخاصة المرحلة التي حكم فيها " الحاكم بأمر الله"، ليرفع الضيم عن هذه الشخصية التي طالما تصدت لها أقلام المؤرخين والمبدعين بالسب والتجريح، وليعيد الاعتبار إليها من خلال التركيز على الجانب الخيّر فيها، كما يقول في أحد النصوص التي صدر بها مسرحيته.
ولم يكن السيد حافظ هو أول من جعل "الحاكم بأمر الله" موضوعا لعمل مسرحي، بل سبقه في ذلك مسرحيون عرب آخرون وعلى رأسهم علي أحمد باكثير، وإبراهيم رمزي. إلا أن جل المبدعين في مختلف مجالات الإبداع نظروا إلى " الحاكم بأمر الله" باعتباره خليفة شاذا ومجنونا، وصاحب القرارات الطريفة و المثيرة للدهشة والضحك. وجاء السيد حافظ ليكسر هذا التقليد، ويقدم هذا الخليفة في صورة مختلفة تماما.
" الحاكم بأمر الله" من أغمض الشخصيات التاريخية التي تتضارب حولها الأخبار، إلى درجة يمكن معها الوقوف عند صورتين متناقضتين له، إحداهما يظهر فيها قاتلا، وسفاكا للدماء، ومجنونا وملحدا...، والأخرى يظهر فيها حاكما عادلا محبا لشعبه، مؤمنا صادق الإيمان، وزاهدا عن ملذات الدنيا...، يتناوله بعض المؤرخين بالمدح والثناء، ويرفعوه " إلى ذروة المجد، بينما يتناوله الآخرون بالنقد والتجريح والطعن في نسبه وشخصيته بما يتنافى والآداب والأخلاق."
وهذه المسرحية التي بين أيدينا تظهر "الحاكم بأمر الله" في الصورة الثانية. فمنذ صغره وعلامات الفطانة والذكاء والعدل تظهر عليه من خلال أفعاله، إذ وهو لم يتعد الخامسة عشر من عمره والسنة الرابعة في حكمه، أقدم على فعل خطير ومهم، يتمثل في إعدام أحد أبرز رجال الدولة وأكثرهم نفوذا هو برجوان. فبعد انتشار خبر الإعدام بين الناس، سمعت زغاريد وشوهدت جموع تجري في الشوارع فرحة ومرددة الخبر، ونسمع الحوار الآتي :
فتحي : الله أكبر.. الله أكبر.. الحاكم ظهرت علاماته وكراماته وقتل الوصي الظالم. الحاكم ظهر رقصني يا جدع.. أرقص يا قسام يا ملك الشام.(...)
فتحي: الحاكم مش عبيط ولا مجنون الحاكم عدل.
قسام: مع أنه صغير السن فهم أن الوصي ظالم دا سبق آوانه. عبقري من وادي عبقر"
وتمضي المسرحية على هذا النهج في سبيل إبراز عظمة هذه الشخصية، إذ في جميع سلوكها، تمثل المثل والقدوة لكل الحكام الذين تتمناهم الشعوب المستضعفة، باستثناء بعض مواقفه التي يبدو فيها صارما، وقاسيا أكثر من اللازم، وكذا انسياقه وراء إغراءات المغنية اللعوب الفائقة الجمال " عزيزة"، ليكفر بعد ذلك عن ذنبه بإعدامها، وإعدام آلاف من الراقصات اللائي اعتبرهن سبب البلاء وانتشار الفساد.
هكذا إذن، حاول السيد حافظ أن يعيد الاعتبار " للحاكم بأمر الله" الذي شغل الدنيا على مر العصور، إلى أن نسجت حوله الحكايات والأساطير والمستملحات والنوادرو فقد حرص السيد حافظ على جعل أحداث المسرحية ووقائعها متصلة بالمرحلة التاريخية لحكم " الحاكم بأمر الله"،إذ تبدأ ببعض الإشارات التاريخية إلى " المعز لدين الله" و" العزيز بالله" ، لأن الأول هو مؤسس القاهرة، والثاني هو المساهم في توسيع بنيانها. وهذه المسرحية تشكل القاهرة بالنسبة إليها الفضاء المحتضن لأحداثها. لذلك كانت الإشارة إلى تاريخ القاهرة أمرا مهما رغم الإشارة الأخيرة في المسرحية إلى " الظاهر بالله" الذي تولى الخلافة بعد " الحاكم بأمر الله"، وأصدر مجموعة من القرارات التي تحيل إلى أن ما بناه " الحاكم بأمر الله" في خمس وعشرين سنة، قد هدمه ابنه في ظرف وجيز، ولم يكن فيه الشعب قد صدق بعد نبأ اغتيال خليفتهم. ونقرأ في المسرحية:
" الظاهر: أمرنا بفتح الخمارات وشرب الخمر.. وعودة بيع العبيد.
( في بقعة ضوء مع المنادي )
فتحي: ما تقولش مات
قسام: ما تقولش الحاكم مات.
فتحي: الحاكم متخفي وحيرجع تاني ."
ونقرأ في المسرحية أيضا بعض المقاطع التي تشير بما لا يدع مجالا للشك إلى الهدف من الكتابة عن " الحاكم بأمر الله": الهدف الذي أشرنا إليه سابقا، وهو رفع الضيم عن هذه الشخصية، ومحاولة إعادة الاعتبار إليها. و نفهم من تلك المقاطع أن تطبيقه العدل بالكيفية التي دفعته إلى تطهير الدولة الفاطمية من آلاف المفسدين والظالمين بقطع رؤوسهم ومصادرة أموالهم ووضعها في بيت المال ليستفيد منها الفقراء ، هو ما جعل المؤرخين – الذين هم في أغلبهم يمثلون أقلاما مأجورة- يشوهون حقيقة " الحاكم :
" شهبندار التجار: ( يضحك) الحقائق لا يكتبها التاريخ والحقيقة دائما
مجهولة، أموالنا التي أخذتها منا هي التي ستحرقك أموالنا
تكتب التاريخ كما نهواه نحن وكما نراك نحن... سنجعل
الكتاب ينكلون بك تنكيلا ( يضحك الجميع) ".
أخيرا أشير إلى أن السيد حافظ إذا كان قد انبرى للدفاع عن " الحاكم بأمر الله"، فإنه أساء بالمقابل إلى ابنه " الظاهر بالله" الذي قدمه في آخر المسرحية على أنه بمجرد وفاة أبيه سارع إلى فتح الخمارات، وإلى الأمر بشرب الخمر والعودة إلى المتاجرة بالعبيد. فربما سيأتي مسرحيون آخرون مستقبلا ينبرون للدفاع عن " الظاهر بالله" من خلال ما لحقه من إساءة من لدن السيد حافظ، وإن كان هو لم يقصد الإساءة إليه بقدرما أراد إبراز" الحاكم بأمر الله" رجلا شاذا في مجتمعه، فيما يخص تطبيق العدل والقضاء على الفساد. فقد انقلب الأمر. فالشاذ هو الذي يصر على تطبيق العدل والقضاء على الفساد في زمن كان آخر ما يفكر فيه الحكام هي هذه الأمور.
II – اللـــغة:
أثارت طبيعة اللغة في مختلف المجالات الإبداعية - وبشكل أكثر حدة في المسرح- في الوطن العربي زوبعة من ردود الأفعال. خصوصا بعد أن ظهرت ثلة من المثقفين والمسرحيين، يدعون إلى استعمال العامية من أجل تحقيق تجاوب أكثر مع الجمهور، والتمكن من الالتحام بقضايا الطبقات الشعبية وهمومها. وهذا ما أثار حفيظة كثير من المثقفين والمبدعين الذين يزعمون أنهم يتحركون من منطلق الدفاع عن لغة الضاد: لغة القرآن، وأن اللغة الإبداعية يجب أن تحافظ على صفائها وجمالها من خلال المحافظة على فصاحتها.
أما السيد حافظ في هذه المسرحية، فقد وظف اللغة بشكل زاوج فيه بين العامية والفصحى، وذلك بحسب ما يستدعيه المقام. فثقافة الشخصية وموقعها الطبقي هو ما يحدد اللغة التي تتواصل بها الشخصية. كما تساهم الفضاءات والأمكنة هي الأخرى في تحديد طبيعة اللغة التواصلية. فالحي الشعبي امبابة ليس هو قصر الخلافة. وهكذا نجد " الحاكم بأمر الله" عندما يكون في دكان فتحي بأحد الأحياء الشعبية في القاهرة،يتخلى عن الفصحى ويشارك جلساءه الحديث بالعامية. وفي هذا دلالة على حب الخليفة لشعبه، فينزل إلى مستواهم، ومن ثم يزول بينه وبين رعيته حاجز الرهبة والخوف، فيتجرأ الجميع على الإفصاح عن مواقفهم أمامه.
III- الإرشادات المسرحية:
إن النصوص المسرحية الحديثة تلجأ إلى ما يسمى بالإرشادات المسرحية، أو المعينات الركحية بشكل لافت.و هذه المعينات تقوم بوظائف متعددة. وقبل الوقوف عند أهم تلك الوظائف من خلال مسرحية "حلاوة زمان"، أشير إلى أن أهم دور تقوم به هذه المعينات هو جعل المتلقي يستحضر في ذهنه -وهو يقرأ النص المسرحي- كيفية اشتغال الحكاية على الخشبة المسرحية أثناء العرض، خاصة إذا كان المؤلف يجمع بين التأليف والإخراج.
والمتصفح للمسرحية التي نحن بصدد تحليلها، سيجد عددا هائلا من المعينات الركحية التي تعج بها المسرحية. وبالوقوف عندها وقفة تفحصية تحليلية، يمكن تحديد أهم وظائفها في سبع:
تأثيث الركح: أي تحديد مواصفات الديكور والسينوغرافيا فوق الخشبة المسرحية. ومن بين الإشارات التي تقوم بهذه الوظيفة- وهي كثيرة جدا- نجد ما يلي :
" في مكان مرتفع على المسرح وأمامه مجموعة من العمائم"
" يتغير الديكور إلى حي امبابة.. دكان كتب عليه محل الشواء لصاحبه فتحي صاحب الآداب.. يجلس بجوار المحل قسام التراب يشرب الشيشة .. بعض الناس تشتري وتمشي.. مصباح كبير معلق أمام الدكان"
" تخرج الناس تحمل رقعة جلد مكتوب عليها الشكاوى وتلتف حول الخليفة"
تقديم تصور حول حركة الممثلين فوق الخشبة المسرحية،و الإشارات التي تقوم بهذه الوظيفة كثيرة، نذكر:
" ناس تجري يمينا ويسارا"
" يجري خارج المسرح"
ابن عمار يدخل في صراع بالسيف مع برجوان..حتى يهرب ابن عمار من أمامه"
تحديد الإنارة: يركز السيد حافظ على الإنارة بشكل كبير نظرا لما تقوم به من تحديد للأزمنة، لأن أحداث المسرحية تقع في الليل والنهار والفجر والظهر...
وهو الأمر الذي يتطلب تغيير مستويات الضوء. ونذكر أيضا ثلاثة أمثلة من المعينات الركحية الواردة في المسرحية التي تقوم بهذه الوظيفة:
- " الاثنان في بقعة ضوء"
- " شوارع القاهرة عند دكان شواء الأزرق ليلا..الأضواء خافتة.. صوت الكلاب" " ضوء الفجر"
" على المسرح ظلام شديد بقعة ضوء على شهبندار التجار وابن دواس وابن حسيب شاب صغير"
تقديم تصور حول لباس الشخصيات:
" يدخل رجل يخلع ملابسه في الطريق متجها للحمام"
" الحاكم لا يرتدي ملابس تنكرية"
" يدخل الحاكم بفوطة على رأسه وملابس متواضعة على جسده"
تحديد طبيعة الكلام: أي هل هو صراخ أو همس أو خطاب... إلى غير ذلك، ونمثل لذلك بما يلي :
" في تابلوه استعراضي غنائي ينادي أهل حي امبابة يا ناس ..."
" فتحي وقسام يتقدمان ويهمسان"
" تتحدث بالفصحى.. تتوحد الأرواح"
تحديد تموضع الممثلين فوق الخشبة المسرحية:
-" يظهر غين على المسرح وهو رئيس الشرطة وخلفه جرجاني مساعده"
" يخرج إلى المستوى الثاني يصعد إلى سور القلعة"
" يتجه للنافذة" " أو إلى صالة الجمهور"
توزيع الأدوار على الممثلين: يلجأ السيد حافظ أحيانا عندما يريد إبراز شخصية جديدة في الأحداث، إلى تحديد الممثل الذي سيؤدي دور هذه الشخصية، والذي يكون بطبيعة الحال قد مثل دورا آخر، أو لا يزال يمثل دورا ما، فيقوم بدورين وربما أكثر، و مثال ذلك:
" يدخل أربعة من العبيد ويحملون العزيز مصابا والذي يمثل دوره
جوهر الصقلي"
" ابن سعيد والناصري يمثلان مع الشخصيات"
" يمثله الشاب الذي مثل دور الحاكم صغيرا"


الخـــاتمــة :
يغلب على " حلاوة زمان" للسيد حافظ الطابع الكلاسيكي، خصوصا فيما يتعلق بوحدة كل من الحدث والزمن والمكان. كما نلمس فيها تلك الخاصية المعهودة في المسرحيات الكلاسيكية المتمثلة في نمو الأحداث في اتجاه واحد، بموازاة مع التسلسل الزمني المتصاعد، إذ تبدأ بحدث يتمثل في تقليد " الحاكم بأمر الله" منصب الخلافة بعد وفاة أبيه " العزيز بالله" ، فيمضي في النمو إلى أن يبلغ الذروة ، ثم ينتهي إلى حل يكشف عن عظمة الشخصية التاريخية موضوع المسرحية.
لكن بجانب ذلك تحضر بعض تقنيات الاتجاهات المسرحية الحديثة، من قبيل تقنية السرد، وكذا تقنية أداء الممثل الواحد لأكثر من دور، وتقنية المسرح داخل المسرح... ،وهي كما هو معروف، قد وظفتها بعض الاتجاهات المسرحية الغربية الحديثة، وإن كان التراث العربي الشعبي يزخر بالكثير منها، وهو الأمر الذي جعل المسرحيين العرب لا يرون حرجا في الاستفادة منها، بموازاة مع دعوتهم إلى البحث عن صيغة مسرحية عربية الهوية.

لائحة المصادر والمراجع :
الكتب:
د. سامح مهران، المسرح بين العرب وإسرائيل، ط1، 1992.
لسيد حافظ، حلاوة زمان أو عاشق القاهرة الحاكم بأمر الله، مركز الدلتا للطباعة، د.ت.ط
3 - عارف تامر، الحاكم بأمر الله: خليفة- إمام- مصلح، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت ط1، 1982.
المجلات:
العربي، العدد 477، فبراير 1996:
حوار بين أحمد عنتر مصطفى وسعد الدين وهبة.
الوحدة، العدد 94/95، يوليو/ أغسطس 1992:
مقال لمحمد عزام: توظيف التراث في المسرح العربي الحديث والمعاصر.
مقال لمحمد مسكين: المسرح العربي الحديث بين ضياع الهوية وغياب الرؤية التاريخية.









مسرحية " إشاعة " تجربة البحث عن الحقيقة

نصيـــرة يعقـوبـــي

توطئــــة :
يقول عبد الكريم برشيد:" إن المسرح فضاء الإمكان وليس فضاء المحال، كل شيء فيه ممكن، وبذلك يكون محيطا بلا ضفاف. وان لاكتشاف قضاياه يتطلب ركوب الغامرة، يتطلب الترحال السندبادي بحثا عن الجزر البعيدة والغربية والعجيبة. وإن الإنجازات التي حققها المسرح العربي – لحد الآن – لا تمثل شيئا خطيرا، لأن الأخطر والأهم هو ما يمكن الكشف عنه الآن أو بعد الآن"
لقد استجاب السيد حافظ إلى دعوة هذا الباحث، فزود المكتبة العربية بصفة خاصة والعالمية بصفة عامة بإبداعات مسرحية متميزة طابعها التجديد والمختلف. فإذا كان " الاتباع خير من الابتداع"، و" الابتداع أخطر من الاتباع" كما قال أبو حيان التوحيدي، فإن مبدعنا اختار الطريق الأصعب وركب الأخطر فلم يكن متبعا بل مبتدعا.
والحديث عن الابتداع في أعمال السيد حافظ المسرحية يحتاج إلى جهود جبارة ويتطلب مجلدات ضخمة. لكن " مالا يدرك كله لا يترك جله". لهذا سنحاول الوقوف عند بعض مظاهر التجديد في إنتاجاته المسرحية من خلال نموذج بعينه. فالبحث في موضوع ما كلما كان محصورا إلا و كان دقيقا وعميقا.
وبناء على ذلك، فقد اخترت مسرحية " إشاعة" لتكون جوازا لإثارة بعض القضايا الفكرية التي طالما شغلت السيد حافظ، فكانت هاجسه في جل أعماله المسرحية. إنها قضية أو " تجربة البحث عن الحقيقة وإعادة كتابة التاريخ". ترى ما هي الحقيقة التي بحث عنها السيد حافظ؟ وكيف بحث عنها؟ و ما هي أسس إعادة كتابة التاريخ؟ وهل بالإمكان القيام بذلك؟
تلك هي بعض الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها من خلال محورين كبيرين: يتعلق المحور الأول بالقضايا الفكرية والمعرفية التي تحفل بها مسرحية " إشاعة". أما المحور الثاني، فيتمثل في الجوانب الجمالية والأبعاد الفنية، أو بالأحرى " القالب الفني" كما يسميه توفيق الحكيم – الذي صب فيه السيد حافظ تلك القضايا الفكرية، و " القراءة من فوق أو من خارج الإبداع لا يمكن أن تثمر غير الضباب... يمكن أن تكتب عن الشعر وأنت لست بشاعر، ويمكن أن تكتب عن القصة وأنت لست بقصاص، ولكنه لا يمكن أن تكتب في المسرح وعن المسرح إلا من داخل المسرح".
فالمسرح ليس نصا وحسب، بل هو نص وعرض. ولا يتحقق النص إلا بالعرض. وبذلك فإنني سألج عالم السيد حافظ من خلال مسرحيته " إشاعة" وأنا مؤمنة بأن التعامل مع نص مسرحي يختلف عن التعامل مع نص شعري أو نص قصصي أو روائي.
1- القضايا الفكرية والمعرفية في مسرحية " إشاعة":
1-1- ملخص المسرحية:
تعالج مسرحية " إشاعة" إحدى الآفات الاجتماعية التي تهدم أواصر المحبة. إنها آفة " الإشاعة" كما تدل على ذلك عتبة العنوان. وقد حاول السيد حافظ معالجة هذا المرض الاجتماعي والنفسي انطلاقا من مؤسسة التعليم التي هي العمود الفقري لكل مجتمع. وقد تمثل دور هذه المؤسسة في شخصية الدكتور مصباح الزمان الذي كان هاجسه نشر الوعي بين الطلبة ودعوتهم إلى إعادة كتابة تاريخ بلدهم .
التف حول هذا الأستاذ مجموعة من الطلبة، تأتي على رأسهم الفتاة التي تشارك أستاذها بطولة المسرحية، هذه الفتاة التي مثلت دور القروية المثقفة، والتي كان لعمها المتوفى الفضل في مواصلة دراستها.
وستعيش هذه الفتاة صراعا حادا نظرا للإشاعات التي التصقت بها وبأستاذها مصباح الزمان. وسيكون لتلك الإشاعات عواقب وخيمة، إذ ستؤدي إلى بث الشك في نفوس أفراد عائلة الفتاة وعلى رأسهم ابن عمها وخطيبها. فما إن يأتي هذا الخطيب للاعتراف لخطيبته بخطئه وبأنها شريفة، حتى تعلو الإشاعة فوق الحق، إذ تدبر مكيدة أخرى تتمثل في اتهام الفتاة بإنجاب طفل، حيث نسمع في آخر المسرحية صوت طفل يبكي فتنتهي المسرحية بطلقات نارية.
1-2- أهم التيمات والقيم الفكرية في مسرحية " إشاعة".
لقد تعددت تيمات هذه المسرحية وتنوعت، إذ تطرح أكثر من قضية اجتماعية وسياسية. فإذا كانت التيمة الرئيسة هي تيمة " الإشاعة"، فعن هذه التيمة تتولد عدة قضايا مثل قضية: فقدان الثقة، والخيانة والصدق وحسن النية، وقضية الصراع بين المدينة والقرية. وهناك قضية الحث على الصبر والتضحية في سبيل المبادئ والقيم، وضرورة الإيمان بالقضية التي ندافع عنها.
ولتبين الأمر، لابد من الوقوف عند بعض هذه التيمات بشيء التفصيل والتحليل.
لعل أول تيمة نصادفها هي تيمة " الإشاعة"، هذه التيمة التي عانى بسببها كل من الدكتور مصباح الزمان والفتاة صراعا خطيرا بينهما أولا، وبين باقي شخوص المسرحية ثانيا.
لا يخفى على أحد أن السلطات كلما ظهر من يهدد مركزها، إلا وحاولت تنحيته بشتى الوسائل. ولعل هذا ما حاولت مسرحية " إشاعة" معالجته، إذ لما كان مصباح الزمان والفتاة مؤمنين بمبادئهما وطموحاتهما في إعادة كتابة التاريخ من جديد، ومحاربة كل من يقف ضد المبادئ والقيم النبيلة، قام بعض الأفراد الموالين للسلطة السياسية، الذين مثلهم كل من الصحفي أبو الكلام، والأستاذ فهمان بنشر الإشاعات حولهما للإطاحة بمكانتهما والنيل من سمعتهما. وقد كان لهذه الإشاعات بالغ الأثر في أفراد عائلة الفتاة، تمثل ذلك الأثر في الصراع بينها وبين خطيبها، وبينها وبين أخيها وأبيها وأمها وجيرانها. ويظهر الصراع بينها وبين خطيبها في الحوار الآتي:
ابن العم : بيقولوا انك مصاحبة واحدة اسمها بهية.
الفتاة : أيوه دي زميلتي في الكلية.
ابن العم : ولها أخ اسمه يونس.
الفتاة : ماشفتوهوش.. لا أفتكرت أنا شفت صورته مع بهية.
ابن العم : اعترفي.
الفتاة : بايه.
ابن العم : بأنك تعرفيه.
الفتاة : قالوا أني أعرفه.
ابن العم : أيوه وبتحبيه.
ويستمر الحوار حيث يطلب ابن العم من خطيبته مقاطعة علاقتها بزميلتها. وبعد أخذ ورد تقرر الفتاة التضحية بالصداقة في سبيل الحفاظ على خطيبها الذي يمثل حلم الغد بالنسبة إليها. وهو ما يظهر من خلال قولها: " أنت حلمي لما أخلص دراستي.. نفتح بيتنا.. ونعلم أولادنا.. نزرع الأرض".
فنلاحظ كيف تتولد عن التيمة الكبرى تيمات صغرى، مثل التضحية والتشبث بالأمل وغيرهما. ومن نماذج الصراع بين الفتاة وأخيها ما يعكسه الحوار الآتي:
الأخ : مش حاسه الناس يتقول عنك إيه.
الفتاة : قوللي يا خويا.. بيقولوا إيه عني.
الأخ : بيقولوا أنك بترجعي متأخرة.
الفتاة : ساعات..الأتوبيس والزحمة.. واحنا في الشتاء والعتمة بتجي بدري
الأخ : الناس بترقبك بعيونها.. قالوا انك بتخرجي من الصبح للمسا.. والبنت في الغربة لوحدها ممكن تعمل اللي على كيفها.
الفتاة : أنا.. وأنا اختك.. لحمك.. ودمك.. كفك.. قدمك.. وعينيك.. ياعيني عليك.. فاكر واحنا صغار... الجنينة والساقية والأشجار.
الأخ : دا كلام أشعار.
لكن وبعد مراقبة هذا الخ لأخته، اتضح له أنها شريفة، فاسترجع ثقفته بها وهو ما يعبر عنه هذا الحوار:
الفتاة : إيه يا خويا ابن أمي وأبويا جاي تراقبني.
الأخ : انتي عرضي لحمي.. دمي.. من حقي أشوف بتعملي إيه.
الفتاة : وبقى لك كام يوم على الحالة دي؟
الأخ : تلت تيام.
الفتاة : شفت إيه في التلت تيام؟
الأخ : ما شفتش اللي شافوه ولا عرفت اللي عرفوه وح ارجع إيد ورا ويد قدام .. لا عارف ولا فاهم حاجة.
الفتاة : ندمان أني شريفة.
الأخ : لا يا أختي فرحان.
الفتاة : أمال إيه.
الأخ : سامحني الإشاعة بتبقى أقوى من الحقيقة والكذب له ألف ايد وألف لسان.. والحقيقة دايما مع أنها قوية تبقى مختفية مع أنها ظاهرة بس مغطيها التراب.
فالملاحظ أن السيد حافظ يحاول الدفاع عن الحق والحقيقة رغم الصعوبات التي تحول دونهما. فهو" من الكتاب الذين يحملون مسؤولية الغد على أكتافه وفي أعناقه، فهو يخوض غمار معركة الحق والحقيقة والأشياء الخالدة، ويرفض أن يكون ملتزما بالأفكار المجردة أو بإطالة التفكير المجرد، فمسرحه يتكلم عن كل الأزمات الإنسانية فهو يتكلم عن قضايا إنسانية متعددة" .
لقد حاول السيد حافظ في جل أو كل مسرحياته معالجة الواقع المصري بصفة خاصة والواقع العربي بصفة عامة، هذا الواقع الذي عاش ومازال يعيش أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، ومسرحية " إشاعة" تعكس جوانب من هذه الأزمات يمكن تمثلها فيما يلي:
أ- الواقع السياسي:
يتمثل هذا الواقع في تسلط السلطة الحاكمة التي حاولت حصر تفكير مصباح الزمان وجماعته. فللقضاء على الثورة ضد الواقع المتردي قامت السلطة بإنشاء وسائل للترفيه والتسلية بغية تجريد المواطن من الوعي السياسي وتحويله إلى إنسان سلبي جامد الفكر فارغ الذهن ولعل هذا ما يعكسه الحوار الذي دار بين الرجل المهم : و مصباح الزمان :
الرجل المهم : إيه يا مصباح الزمان ... أنت عايز تحرض الولاد...الولاد بتحب ديسكو.. و الأغاني البرتقالي و سندوتشات الهمبورجر..
مصباح الزمان : دول ايدنا بكره..عنين بكره
الرجل المهم : دا كلام شعر..احنا امبارح و النهاردة و بكره
مصباح الزمان : لابمكن نحمي الأوطان بجيل أرانب و قرود
الرجل المهم : أنت زودت الحدود ..احنا عايزين جيل مسالم بيحب السلام جيل ما بيحبش المزايد و الحوار و الكلام.
مصباح الزمان : قصدك جيل أخرس .. جيل من العميان ..يبقى على الدنيا السلام
فالسلطة الحاكمة كما تعكسها المسرحية سلطة متسلطة و متجبرة، ترفض التغيير و تنشد الاستمرارية و البقاء (احنا امبارح و النهاردة و بكرة).
فهي سياسة تسعى إلى خلق مواطن أخرس، مشلول التفكير.
ب- الواقع الاجتماعي:
الواقع الاجتماعي واقع مليء بالآفات والأمراض النفسية و الاجتماعية، مثل انتشار الافتراءات و الأكاذيب، و انعدام الثقة والأمن و الصدق. وقد عكس لنا السيد حافظ في مسرحيته هذه نموذجين من هذا الواقع .
النموذج الأول : و تمثله القرية حيث يعيش الفلاح البسيط المرتبط بأرضه، و المحب لعائلته و أقاربه ووطنه، المقتنع بقوت يومه.
النموذج الثاني : تعكسه المدينة بكل تعقيداتها و آلياتها المتطورة و أحلام أبنائها الزائد عن الحدود.و يتجلى هذا الواقع بنموذجيه في الحوار الذي دار بين الفتاة و الطالب الفاسد:
الطالب الفاسد : تسمحي لي أتكلم معاكي في موضوع حساس شويه
الفتاة : اتفضل.
الطالب الفاسد : بصراحة أنا بقالي مدة مراقب طلوعك و خروجك.. مشيك.. كلامك.. حوارك أفكارك.
الفتاة : الله ..الله وليه كل دا.
الطالب الفاسد : أنا بصراحة و بدون فصاحة عايز أطلب ايدك .
الفتاة : "تضحك " آسفة أصل أنا مخطوبة.
الطالب الفاسد : عارف .. دا جواز مش متكافئ .. واحدة زيك فاهمة و عارفة و مستنيرة و دخلت في أحضان المدينةمش معقول تربط مستقبلها بشاب فلاح.
الفتاة : بتقول فلاح ..ما هو أنا فلاحة.. واحنا كلنا فلاحين. مصر كلها و أصلها فلاحين.
الطالب الفاسد : هنا القاهرة ..هنا العاصمة.. هنا التلفزيون والعربيات والحركة الثقافية والخدمات المتطورة
الفتاة : في كفرنا الناس لغيت الحمير و ركبت عربيات نقل وغسالات بالكهرباء .. بطلوا يخبزوا و بنستورد الخبز من المدينة.. أنت فاكر كل حاجة زي ما كانت .
زمان.
الطالب الفاسد : ماهو دا كويس بس القرية قرية و المدينة مدينة و أنت هنا تتقدري وتتغندري وأقدر أخليكي أسعد انسانة .
الفتاة : تفتكر ايه يخليني اسيب ابن عمي و أخدك.. شقة على النيل ..مش حلمي ..عربية مرسيدس مش حلمي.. بيت صغير جنب غيط أبويا يبقى تمام.
ج- الواقع الثقافي :
تعكسه طبقتان : الطبقة المتنورة، و يمثلها كل من مصباح الزمان و الفتاة. و الطبقة المتحجرة، و يمثلها الطالب الفاسد، والصحفي أبو الكلام و الزميل سمعان النعمان، و مشتاق الزمان، و الرجل المهم. وهم يعكسون الصورة السلبية للمثقف العربي الذي ينساق وراء الملذات، و يبيع كرامته و قضايا أمته من أجل الماديات.
و من أدلة الواقع المتردي، قول الرجل المهم مخاطبا مصباح الزمان:"اسمعني أنت ما تقول كلمتين في إطار المنهج وبس و الشباب سيبهم.. بس سيبك من الانشا و المقالات و الشعارات"
لقد اتخذ السيد حافظ من المسرح واجهة نضالية ضد كل آفات المجتمع. وإذا كانت الاحتفالية كما يقول مصطفى رمضاني " ترفض كل تركيز للمسرح على الخطاب الأيديولوجي فقط، فإن ذلك لا يعني أنها لا تملك موقفا إيديولوجيا من الصراع الاجتماعي فكل بياناتها تلح على أن يكون المسرح مؤسسة شعبية يساهم فيها الشعب بكل مكوناته الفكرية و الإيديولوجية، إلا أنها ترفض أن يقوم هذا المسرح على الأسلوب الشعارتي و على التحريض، لأنه أسلوب يستفز المتلقي من قنوات تستهدف التأثير العاطفي" .
و لعل هذا ما حاول السيد حافظ تجنبه مؤمنا بمعا لجة ما هو معاصر و آني، " لأنه كلما عبرت الكتابة الدرامية عن زمن حياتنا المعقدة بزمن مسرحي ساذج و تبسيطي أصبح مسرحنا تافها و غير محتمل"
أجمع الدارسون على أن كتابات السيد حافظ "تدور ..دائما حول الإنسان المعاصر ..الإنسان المطحون بين الأمل و الاكتراث لذلك فهو يهتم اهتماما كليا بمشكلة الإنسان المعاصر و الضغوط الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية الملقاة عليه و يحاول أن يقتحم هذه العوالم في داخل الانسان. إن في كل مسرحية من مسرحياته تجد أنه يبذل مجهودا كبيرا وحقيقا في البحث و الكشف و التنقيب و النظر الثاقب و الصبر النافذ عن معاناة الانسان المعاصر"
1- 3- التراث في مسرحية " إشاعة "
لعل أهم ما يتميز به السيد حافظ هو القدرة على توظيف التراث في أعماله المسرحية، و قد حظيت مسرحيته " إشاعة " بحضور نوع من التراث الشعبي المتمثل في الأمثال الشعبية. من ذلك ما جاء على لسان الأب "صباح الخير ياجاري..أنت في حالك و أنا في حالي".
وعن توظيف التراث الشعبي يقول إحسان عباس:" للتراث الشعبي ميزة هامة لأنه تراث قريب حي، و حين يلجأ إليه الشاعر لا يحسن أنه مثقل بما في الماضي الطويل من خلافات ومشكلات".
و يقول محمد إبراهيم أبو سنة في كتابه:" فلسفة المثل الشعبي": و المثل كأي مظهر من مظاهر الفكر الشعبي هو موقف صادق يختزن وجهة نظر قد لا تكون في الامتداد الايديولوجي السليم و لكنها تحمل غبار التجارب الاجتماعية المادية، و المثل كتعبير يصوغ الموقف المادي بلا وساطة نظرية"
و تجدر الإشارة إلى أن أهمية التراث لا تقتصر على الجانب الفكري و المعرفي وإنما تتعداه إلى الجانب الجمالي، فالمثل الشعبي على سبيل المثال يخفف من جفاف الفكرة و يعطيها صبغة جمالية تستهوي القارئ أو المشاهد.
و من الخصائص التي تتميز بها أعمال السيد حافظ أيضا استحضار الشخصيات التاريخية. فمن الشخصيات التي و رد ذكرها في هذه المسرحية شخصية صلاح الدين الأيوبي.و يتجلى ذلك في قول مصباح الزمان للفتاة":اسمعي عايزك تعملي بحث عن مصر المملوكية أو عن صلاح الدين لما حلم بمصر".
وأهمية العمل المسرحي لا تكمن في جانبه الفكري و الإيديولوجي فحسب، بل تكمن في الجانب الجمالي و الفني أيضا. فما هي الخصائص الجمالية التي تميزت بها مسرحية "إشاعة"؟
2-الأبعاد الجمالية و الفنية في مسرحية "إشاعة" :
يمكن رصد هذه المكو نات الجمالية انطلاقا من العناصر الآتية:
-البناء الدرامي للمسرحية، و الشخصيات، و الفضاء المسرحي، و الصراع الــدرامــي، و الحــوار، و اللغة.
2 -1: البناء الدرامي للمسرحية.
إن القراءة العجلى للمسرحية توحي بأن بناءها شبيه بالبناء الدرامي للمأسـاة عند أرسـطـو، الذي يقوم على بداية ووسط ونهاية. إلا أن الدراسة الفاصحة تثبت عكس ذلك، إذ إن في المسرحية تسلسلا و تطورا للأحداث. لكن هذا التطور لا يخضع لتسلسل منطقي. فالسيد حافظ لو كان مقلدا لما افتتح مسرحيته بتلك الافتتاحية التي تعكس منذ البدء العلاقة الطيبة بين الفتاة و الأستاذ مصباح الزمان .
لقد انتهج السيد حافظ منهجا فريدا من نوعه، أساسه التوفيق بين ما هو فكري و جمالي. و تلك إحدى مميزات المسرح التجريبي أو الطليعي ."إن من خصائص المدرسة الطليعية التمرد و الثورة على قوالب.. المسرح القديم أو الكلاسيكي و أيضا رفض للمدرسة الطبيعية الواقعية. إن موقف التمرد في إبداع الكاتب يتجاوز الإطار المألوف عن الواقع و يغوص في العقــل البــاطني، و عـالم الـلاوعـي و اللامعقول".
وقد صرح أحد الباحثين قائلا:"يظلم السيد حافظ كل من يعامله بمقاييس المسرح التقليدي، وينصفه من ينظر إليه على أنه كاتب طليعي يرفض بإرادة عنيدة متمردة أن يكون مقلدا لغيره، فهو يأتي التقيد في مسرحياته للقالب الواحد يصب فيه مسرحيته كما يضع الكاتب الكلاسيكي أو الطليعي أو الواقعي، بل يؤثر التنقل في المسرحية الواحدة بين الأجواء المختلفة، لتحلق بنا وراء الأجواء المألوفة"
و سيتأكد لنا هذا الابتداع عند السيد حافظ من خلال باقي المكونات الجمالية.
2-2: الشخصيات:
تنقسم شخصيات مسرحية "إشاعة "إلى ثلاث فئات:
الفئة الأولى : و يمثلها بطلا هذه المسرحية و هما الأستاذ مصباح الزمان و الفتاة، و تعكس هذه الفئة جانب الوعي في المجتمع. فمصباح الزمان كما يدل ذلك اسمه يرمز إلى النور، إذ يعمل على بث الو عي بين صفوف الشباب. كما أنه يمثل نموذج المثقف المسؤول أمام قضايا وطنه وهموم أمته. وكأن السيد حافظ من خلال هذه المسرحية " يتقدم ضمنيا ..بمشروع -ينتظر المثقفين عموما و المهتمين بالتاريخ خاصة- يتمثل في الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ.فإعادة الكتابة ستظهر مجموعة من الحقائق الخفية، كما ستكشف عن الذين صنعوا أحداث التاريخ، لأنهم - في غالب الأحيان- يحملون أقنعة تخفي وجوههم الحقيقية"
الفئة الثانية: تنقسم هذه الفئة بدورها إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى: و يمثلها كل من الرجل المهم و الأستاذ فهمان، و الصحفي أبو الكلام. وهذه المجموعة ترمز إلى التحايل و الاستبداد بكل أنواعه. كما تمثل المصلحة الخاصة و حب الذات. فالصحفي أبو الكلام متعدد الأوجه و الأقنعة، لا يحمل أي مبدأ، بل يكتفي بالكلام الفارغ و الخطابات الزائفة. إنه رمز لفئة عريضة من الإعلاميين و الصحفيين العرب الذين يتقنون حرفة الكذب و الثرثرة الكلامية.و قد استطاع السيد حافظ أن يعبر عن فساد الإعلام من خلال الحوار الذي دار بين الفتاة و الصحفي أبو الكلام :
الفتاة: أنت فنيت عمرك مع الملك كنت قلمه.. مع الثورة كنت قلمها مع كل رئيس كنت قلمه مع الشرق كنت شرقي مع الغرب كنت غربي..و قلمك هو هو و الحبر يتغير مرة أحمر مرة أخضر مرة أصفر .. مرة من دم الغلابة مرة بتبيع الغلابة مرة مع العبيدة مرة مع السادة مرة مؤمن مرة كافر .. بس قولي أنت مين.
الصحفي أبو الكلام : ح أريحك و أشرحلك ببساطة (يفتح دولاب يخرج مجموعة أقنعة) الصحافة السياسية ياصبية.. لعبة بانية و مختفية.. و القضية ببساطة إزاي تحط على وشك قناع .. شوفي (يرتدي قناع ) دا ملكنا يا جماله هل من التاريخ هلاله من بيت للأشراف من نسب الشجرة المباركة . ( يخلع القناع) بص.. هوب شوف .. التاريخ اتغير أهو( يرتدي قناع آخر ) الملك دا كان فاسد و الثورة هي الحقيقة والشعب هو الشعب .."
إن هذه المجموعة حاولت بشتى الوسائل و الإغراءات إقناع مصباح الزمان بالتخلي عن مبادئه. و الحوار الآتي يعكس صورة من صور هذه الإغراءات:
الرجل المهم: لما تخد منا بصحيح ممكن نقول عنك، أنك تصلح تبقى وزير، تبقى سفير، مسؤول جامعة.
مصباح الزمان: ازاي يعني
الرجل المهم: كل ما تتعاون معانا تقدر نخدمك أكثر.
الرجل المهم: ما احنا بلدك شوف سمعان النعمان بقى سفير، شوف صاحبك مشتاق الزمان بقى وكيل وزارة..أنت الوحيد اللي ما فهمتش و ما غيرتش أفكارك
فالسيد حافظ يحاول فضح تلاعبات السلطة التي تسعى إلى إذلال المواطن و غسل دماغه من الفكر الحي و الثوري.
أما المجموعة الثانية في هذه الفئة، فيمثلها كل من الطالب الفاسد و الزميـل سمعان الزمـان، و مشتاق الزمان. فهذه المجموعة صورة لفئة تلهث وراء الماديات و ملذات الحياة بكل أصنافها، غير آبهة للقيم و المبادئ النبيلة. إنها نموذج الخنوع لمغريات السلطة و الاستسلام لتجبرها و تسلطها.
الفئة الثالثة: و يمثلها أفراد عائلة الفتاة: الأب و الأم وابن العم. وترمز للاضطراب و التردد والحيرة وفقدان الثقة.و لعل ما يعكس ذلك قول الأخ "ما شفتش اللي شافوه ولاعرفت اللي عرفوه و ح ارجع ايد ورا وايد قدام ....لاعارف و لافاهم حاجة".
و بناء على كل ما سبق ذكره حول شخصيات مسرحية "إشاعة"، يمكن الاتفاق مع ما ذهب إليه حسن عبد الهادي من أن "شخصيات السيد حافظ ضائعة في خضم الحياة تبحث عن القيمة التي زيفتها أصابع الحضارة الحديثة، و تعيش و حشة رهيبة في طريق سعيها إلى تلك القيم والمثل السياسية، سواء أكان ذلك الصعيد الاجتماعي الإنساني، أم الأصعدة الأخرى كالدين و السياسة و الأخلاق"
2-3 : الزمن و المكان المسرحيان.
2-3-1 : الزمن:
ينقسم إلى قسمين: زمن خاص و زمن عام. فالزمن الخاص محدد و محصور،و مرتبط بتطور الأحداث. و نماذجه متعددة في المسرحية، أكتفي بنموذج يمثل " الليل " على سبيل الإشارة فقط:
الفتاة : ياأبه خليك للصباح.... و الصباح رباح..
الأب : يابنيتي أمك تعبانة و مستنيااني على نار..
الفتاة : سلم لي على أمي .. قولها إني مستنيه الصيف علشان أجيلها..
الأب : سلام عليكم ..
الفتاة : مع السلامة (تخرج بينما الظلام يحدث و تنزل خلاله أغنية قولوا العين الشمس)
أما الزمن العام فهو زمن فضفاض وواسع زمن مرتبط بأزمات المجتمع المصري بصفة خاصـــة و المجتمع العربي بصفة عامة. زمن يتداخل فيه الماضي و الحاضرو المستقبل و من نماذج ذلك الحوار الآتي:
الفتاة : أرجوك يادكتور ما تحلمش .. أنت زي والدي .. أرجوك اهرب سافر .. غادر الزمان و المكان
مصباح الزمان : الوطن انسان مش مكان و لازمان ...
و في موضع آخر نجد الحوار الآتي:
الفتاة : (مقاطعا ) أنت ليه مصمم تفضل هنا ليه ما تسافرش ما تهجرش.
مصباح الزمان: أنا مهاجر في المستقبل معاكم.
و هاجس الزمن حاضر في مسرحية " إشاعة " بشكل مثي و لافت للنظر، كما يبدو من خلال أسماء الشخصيات، من أمثال: مصباح الزمان و عصر الزمان الفهمان. فهذه المسرحية لاتعالج مرحلة بعينها، بل هي مسافرة في كل الأزمان و العصور.
2-3-2 : المكان :
ما قيل عن الزمن يقال عن المكان أيضا. فهناك المكان الثابت المرتبط بتطور الأحداث مثل: الجامعة، البيت، مكتب مصباح الزمان، القرية، المدينة و غيره من الأمكنة. و هناك المكان العام المرتبط بالوجود الإنساني. ف"قضية المكان في مسرح السيد حافظ تحتاج لبعض المناقشة فهو ليس محدد بحدود الواقعية المألوفة، بل هو مكان فنتازي، تجريدي يقع على حافة الاحتمال غير المحدد بمحددات آلية. وهو واقع مكاني خاص، متحرر من المواصـفـات الشكلية المعتادة غـوص في اللامحدود و الوهمــي و الشبحي ".
و عن عالمية المكان في مسرح السيد حافظ يقول إسماعيل الأمبابي : "هذا الكاتب لم يحمل جواز سفر مصريا فقط، بل في الحقيقة حمل هذا الكاتب جواز سفر عربيا إفريقيا عالميا...فكل قلوب الناس حقيقته".
إن بنية المكان في مسرحية "إشاعة " بصفة خاصة، و باقي أعمال السيد حافظ المسرحية متنـوع و متعدد. فتجاربه " تسافر ..في جميع الأمكنة، في الشوارع في السجون، في المعتقلات، و في الساحة العمومية، ليتجاوز ضيق الخشبة الإيطالية .. التي تقبر ذهن الممثل و المتلقي بتعليماتها الحرفية، فتسقط معها تلك النمطية مع كاتبنا ليجعل المسرح متحركا يخاطب الماضي و الحاضر، لتكون في الأخير نسيجا متناسقا يروم إلى المستقبل المشرق و هذا ما أكده الباحث عبد الكريم بقوله: "لأنها كتابات جادة و جريئة، كتابات لا تقف عند الشائع المعروف، و لكنها تتعداه لتطل إلى مشارق كتابة مستقبلية جديدة. و هي تتوسل إلى كل ذلك من خلال التجريب الواعي"
و خلاصة القول في هذا المقام، "إن السيد حافظ لا يلتزم بحرفية تعليمات وحدات الزمان و المكان الأرسطية، و لكن تنصب اهتماماته على تجريد المسرح كمسرح من الأشكال التقليدية القديمة"
2-4 : الصراع الدرامي:
لقد تعددت مظاهر الصراع في مسرحية " إشاعة " و تنوعت. فهناك صراع نفسي تعانيه بعض شخصيات المسرحية، بدءا بالفتاة التي عانت الويلات من جراء ما قيل عنها من إشاعات. فرغم أنها نموذج للمرأة الواعية المتشبثة بمبادئها المؤمنة بقضية أمتها، فإن ضغوطات أفراد المجتمع كادت تفقدها الثقة في نفسها، و تتخلى عن مبادئها من ذلك ما يعبر عنه الحوار الآتي:
الفتاة : ممكن اسأل حضرتك سؤال ايه فايدة البحوث لما ترتمي في الادراج والاعلى الرفوف و لا تتسجن في كتاب ضرير ما يتقراش.. ايه فايدة القصيدة و الجريدة...و العلم و الحلم لحظة انهيار وطن.
مصباح الزمان : الكلام دا يأس ما حبهوش .. ما علمتهوش لكم ..ما عرفتهوش في حياتي أنت أكيد قابلتي الدكتور عصر الزمان..
فالملاحظ أن الباطل كاد يصبح حقيقة، لولا تشجيعات الدكتور مصباح الزمان و قوة إيمانه التي استطاع بفضلها أن يتغلب على الإشاعات، و يعين بذلك الفتاة على إعادة الثقة في نفسها. إن الدكتور مصباح الزمان نموذج للخير في مقابل الشر الذي عكسته بعض شخصيات المسرحية، من أمثال الرجل المهم و الأستاذ فهمان و غيرهما .
هناك إذن صراع بين الخير، المتمثل في الإيمان بالقضايا الإنسانية كما عكستها شخصية الدكتور مصباح الزمان و شخصية الفتاة.و الشر، المتمثل في التسلط و التجبر و الوقوف ضد الحق. وقد عكسته مجموعة من الشخصيات، من أمثال الرجل المهم و غيره. و هناك صراع آخر طالما تكرر في أعمال السيد حافظ: إنه الصراع بين المدينة و القرية. و من نماذج الأعمال التي عكست هذا الصراع إلى جانب مسرحية " إشاعة"، مسرحية " حكاية الفلاح عبد المطيع "
2-5: الحوار :
إن الحوار من الأسس و الدعائم التي يقوم عليها البناء الدرامي. فبواسطته تتـبلور الأحـداث و تتطور. كما أنه يساهم في رسم معالم الشخصية وحالتها النفسية.
وقد تنوعت أضرب الحوار في مسرحية "إشاعة " واختلفت من ناحية الطول و القصر. و لعل "ما يميز الحوار عند السيد حافظ هو ذلك التنوع ليكون همزة وصل بين مجريات الأحداث و مشاعر الشخصيات التي تساهم في بلورته، و هو حوار يفصح عن مجموعة من المواقف و الأفكار".
2-6 : اللغة في مسرحية "إشاعة "
لقد كتب السيد حافظ هذه المسرحية باللغة العامية المصرية. و لا يعد ذلك عيبا أو نقصا. بل إن القارئ غير المصري و المشاهد العربي بصفة عامة يحس بجمال هذه المسرحية و بفنيتها، نتيجة تذوقه للهجة المصرية. كما أنه لولا هذه الكتابات باللهجات المحلية، لما استطعنا أن نطلع على التراث المحلي لكل بلد على حدة؛ من ذلك : التقاليد و العادات و التراث الشعبي، مثل الأمثال الشعبية المحلية .
وقد وظف السيد حافظ في مسرحيته هذه في بعض الأحيان اللغة الثالثة كما يسميها توفيق الحكيم، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر قول الرجل المهم : "يا مصباح الزمان، لكل زمان رجالـــه و لكل دولة رجال و أنت ما اتغيرتش و ما بقتش معانا "
ومن جماليات اللغة في هذه المسرحية، المزج بين لغة النثر و لغة الشعر . "و البناء الشعري - عند السيد حافظ - لا يقوم على موسيقى الشعر بقدر ما يقوم على الصورة الفكرية التي تبعث من البناء اللغوي. و الشعر هنا شعر مضمون لا شعر اللفظ ". وقد وسم عبد الرحمن أبو عوف اللغة في مسرح السيد حافظ بـ "اللغة اللاواقعية " فمما قاله ما يلي : "لقد رفض تبني المسرح الطبيعي الواقعي الأسلوبي لقد تبنى أسلوبا بليغا شعريا مدعوما بعيدا عن اللغة اليومية بعد الشعر عن النثر، فشخصياته يعبرون بلغة مصطنعة تصويرية متعددة عاطفية و فلسفية رومانتيكية و شعرية و أحيانا مغلقة بالصور فهو يحاول إعادة سلطان و عظمة الشعر و لكن هل الشعرية طغت على الدراما "
من نماذج هذه اللغة التي يغلب عليها طابع الصنعة قول الطالب الفاسـد : (أنـا بصراحة و بدون فصاحة ) و قوله في موضع آخر: (حفلة خلوية في الهيلتون..الزفاف في الشيراتون.....)
هذه بعض و ليس كل الجوانب الفنية التي تميزت بها مسرحية "إشاعة "، هذه المسرحية التي تتوفر على " إرشادات مسرحية " و تقنيات فنية تحتاج إلى و قفة خاصة.

خاتمـــــة :
تلك هي بعض المكونات الفكرية و الجمالية في مسرحية " إشاعة ". التي حاول السيد حافظ من خلالها فضح الواقع المصري بصفة خاصة، و الواقع العربي بصفة عامة، و تعريته بغية إصلاحه و تقويمه. و لعل الدعوة إلى كتابة التاريخ، و البحث عن الحقيقة ظلت هاجسه في هذه المسرحية و مسرحيات أخرى.
لقد جعل السيد حافظ من أعماله المسرحية واجهة نضالية ضد الظلم بمختلف أشكاله. فهو يدعو الإنسان إلى عدم الاستسلام أمام آفات المجتمع الخطيرة، منها آفات الأمراض الاجتماعية و النفسية كما صورتها هذه المسرحية. ف " السيد حافظ من كتاب المسرح الإنسانيين، ليس بنزعته نحو العدالة في الحياة فقط ولكن باندماجه في هموم الحياة العربية ككل، في تعبها الإنساني و المحاولة العاجزة عن خلق نظام يحقق مجتمعا جديدا تتحقق فيه سعادة تمسح التعاسة و الاندحار في أعماق الإنسان العربي السيئ الحظ"
إنني بهذا العمل المتواضع أتمنى أن أكون قد ساهمت و لو بقدر يسير في رد الجميل لهذا المبدع النموذجي الذي يستحق الشكر و الثناء، هذا المبدع الذي عانى التهميش كما عبر عن ذلك بنفسه : "أنا من الجيل الذي ضحى و استشهد في 73 و لم يذكره التاريخ... أديبا أو فنيا أو ثقافيا وظلت اللعبة كما هي .. الذين تسببوا في طعن الوطن و هزيمته يقودون الوطن فكرا و فنــا و ثقــافــة و تألهوا بدون مبرر على ذكريات ما قبل النكسة لا أدري !!فأنا أبحث عن شكل مسرحي جديد مع جيلي و لست بمفردي جيل كامل... كان يبحث نقدا و إبداعا و هذا الجيل ظلم "
و إذا كان التاريخ قد ظلم السيد حافظ، فإن الباحث المتعطش للمعرفة و التحصيل العلمي لن ينسى جهد أبطال القلم و الكلمة، و سيبقى مدينا لهم بأعمالهم المتميزة التي نسأل الله تعالى أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم و الحمد لله رب العالمين.










المصادر و المراجع :
1- المؤلفات :
1-أسئلة المسرح العربي " عبد الرحمن من زيدان، سلسلة الدراسات النقدية7 ، دار الثقافة - الدار البيضاء، الطبعة الأولى : 1407-1987
2- الأشجار تنحني أحيانا 9 مسرحيات تجريبية " : السيد حافظ، المركز الأكاديمي الدولي، مطبعة الفتح، فيصل - الهرم.
3-"إشاعة " : السيد حافظ، سلسلة إشراقات أدبية 164، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة أول أبريل 1994.
4- " حبيبتي أميرة السينما ": السيد حافظ، سلسلة رؤيا-الإسكندرية، الطبعة الثالثة: 1982
5- السيد حافظ بين المسرح التجريبي و المسرح الطليعي ": محمد نظمي، سلسلة رؤيا، مركز الوطن العربي للنشر و الإعلام، الإسكندرية-مصر 1989
2-المجلات و الجرائد و البحوث و الأطروحات الجامعية :
1- إشكالية التجريب في مسرح السيد حافظ : بنيونس الهواري، أطروحة لنيل دبلوم الدراسات العليا، شعبة اللغة العربية و آدابها، بإشراف: مصطفى رمضاني، السنة الجامعية : 199-2000.
2-التجريب في مسرح السيد حافظ " حبيبتي أنا مسافر و القطار أنت و الرحلة الإنسان نموذجا": بنيونس الهواري، (بحث لنيل الإجازة). السنة الجامعية: 1992-1993
3-" عالمية المسرح عند السيد حافظ: "إبراهيم عابدين، مجلة " الثقافة العراقية " السنة: 13 العدد: 1/1983
4- " المسرح العربي الهوية المصادرة -قراءة في كتاب" هنا المسرح هنا بعض تجلياته لحسن المنيعي ":محمد بهجاجي، الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد: 362 دجنبر 1990.
5-" نحو تأسيس كتابة مسرحية عربية مغايرة" : مصطفى رمضاني، مجلة " التأسيس " السنة الأولى، العدد: 1 يناير 1987.



مسرحية" قراقوش والاراجوز والحرفوش"
بين النص والعرض

ثوريا ماجدولين




مقدمة :
يختلف فن المسرح عن باقي الأجناس الأدبية في كونه لا يقف عند حدود النص المكتوب ، بل هو لا يكتمل إلا بوجود عناصر أخرى فنية وتقنية كالديكور والملابس والإضاءة والإكسسوارات والموسيقى والتشخيص ...فهذه العناصر الجمالية هي التي تشكل الصورة النهائية للكتابة المسرحية . كما أن أي قراءة نقدية تتوقف عند حدود النص المكتوب في المسرحية تظل مجرد مشروع ، في انتظار مشاهدة العرض . من هنا تكون قراءتنا لمسرحية "قراقوش والأراجوز والحرفوش" للسيد حافظ ، مجرد مشروع قرائي يتوخى الكشف عن المكونات الفكرية والجمالية وبنية التناص التي تتحكم فيهما ، وعناصر الكتابة السينوغرافية للنص ، دون أن يدعي الإلمام بكل ما تستحقه هذه المسرحية من أهمية .
وهذه المسرحية هي من الإنتاجات الأخيرة للسيد حافظ ، الكاتب المصري الذي أغنى الريبيرتوار المسرحي بعطاءات متميزة ،في القصة والمسرحية . وقد حاز على جائزة أحسن مؤلف لعمل مسرحي موجه للأطفال في الكويت عن مسرحية "سندريلا"سنة 1973 . وهو يعتبر المسرح أداة لتغيير المجتمع ، حيث تعكس أعماله واقع وطموحات الطبقة الدنيا في المجتمع ورغبتها في تحسين واقعها .
وقد استفاد السيد حافظ من دراسته العلمية في الفلسفة والاجتماع وعلم النفس ، مما أهله لاستيعاب دور الفرد في المجتمع ، واستيعاب تحولات العصر التي عبر عنها في مسرحياته المجسدة لآلام وآمال المقهورين والمظلومين ، فكان بذلك شاهدا على عصره . يقول عن نفسه : "أنا من الفنانين القلقين ...أنا أبحث عن شكل مسرحي جديد مع جيلي وجيلي


كله مظلوم ...نحن نبحث عن الجمهور الجديد ..حينما ظهرت أعمالنا ، اصطدمت بالزعماء المبدعين وقادة الفكر المثبتين ...نحن نطالب بتجديد المسرح العربي ..."1 .
والسيد حافظ كاتب جريء ، يهتم بقضايا الإنسان المعاصر ويحاول أن يكشف معاناته السياسية والاجتماعية ، ويعري الجراح التي تخلفها هذه المشاكل على الذات الإنسانية ، ويبرز أثر مادية العصر وعدم الاهتمام بالجانب الروحي، وما يخلف ذلك من أثر بليغ على الإنسان المعاصر . كما أنه من الذين فهموا التراث واستوعبوه ووظفوه باقتدار في أعمالهم المسرحية ، حيث عمل على تسخيره لخدمة القضايا الإنسانية التي يناقشها في مسرحياته من خلال اعتماده على التجريب لأن التجريب وحده كفيل بأن يضمن له التجديد الذي يصبو إليه .
والتجريب الأدبي والدرامي كما يقول المرحوم محمد الكغاط : " عبارة عن اقتراحات في مجالات الإبداع المختلفة ، اقتراحات يقصد بها خلخلة ما هو سائد من أجل فتح آفاق جديدة ، وإثارة أسئلة جديدة والبحث عن صيغ جديدة للخطاب والتواصل .( 1 )
ويتجلى التجريب في مسرحيته هذه بشكل واضح من خلال التمرد والثورة على المفاهيم الجاهزة والثابتة في المسرح ، إن على مستوى المضامين التي تتوزع بين المحور الاجتماعي والمحور السياسي والمحور الوطني ، أو على مستوى طريقته في التعبير التي تستفيد من الإضاءة والديكور والاكسسوارات ، وكل ما يوظف في العرض المسرحي لإعطائه طابعا خاصا .
1 - الفكري والجمالي وبنية التناص :
يقوم السيد حافظ في هذه المسرحية باستدعاء التراث من خلال الرمز التاريخي القوي : صلاح الدين الأيوبي . غير أنه يفكك هذا الرمز من خلال تحليله الخاص للتاريخ ، ومن خلال استدعاء شخصيات أخرى اتخذت صورة الرمز، كالقاضي والوزير والأديب والتاجر والمرأة والأراجوز ، مستعينا بعنصر آخر من التراث المسرحي هو"خيال الظل" .خيال الظل كما نعلم وثيق الصلة بالفنون الشعبية . ويقوم على العرض التاريخي للأخبار المدونة في الكتب . لذلك لم يتعمد السيد حافظ هنا إدراجه في مسرحيته هذه، بل إن السياق التاريخي المحيط بالمسرحية يفرض ذلك . فقد آثر عن القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي أنه كان يشاهد خيال الظل بمعية "القاضي الفاضل"1 .
وقد جاءت المسرحية في بناء معماري متماسك يتكون من فصلين : يحتوي الفصل الأول على خمسة مشاهد ، والفصل الثاني على أربعة مشاهد يسميها "اللوحات"، تتصدرها افتتاحية، يعطي فيها المؤلف الأهمية لنص العرض أكثر من نص التأليف ، من خلال الإرشادات المسرحية المكثفة .
والمسرحية محاولة استقراء لحظة تاريخية في تاريخ مصر ، وتحديدا في فترة حكم صلاح الدين الأيوبي وتحويلها إلى لحظة سخرية وكوميديا .
تبدأ المسرحية بوصف حالة الخوف والرعب التي عاشها الناس في فترة حكم قراقوش ، حتى إنهم يتخيلونه موجودا في كل مكان ، ولا أحد يجرؤ على معارضته ، إلا جعفر –الشخصية الرئيسية في المسرحية - الذي يظهر في المشهد الأول وهو يشاكس القاضي عثمان بغية أن يأخذ منه نقودا . وأثناء حوارهما يكشفان عن عيوب قراقوش واستبداده ، الذي بلغ حد منع الناس من الزواج ( حتى لا ينشغل الموظفون عن أداء مهامهم بهموم الزوجة والأبناء ! ).
أما في المشهد الثاني، فتظهر شخصية أخرى هي شخصية ابن مماتي الذي كان وزيرا سابقا في عهد صلاح الدين الأيوبي ، والذي سيعوض بقراقوش بعد أن تتم إقالته . وابن مماتي هذا رمز للمثقف المحبط والمغلوب على أمره . وظهوره يتم داخل حانة ، حيث يتم الكشف عن الواقع المصري الذي تفشى فيه الفساد ( تاجر الحشيش –تاجر العبيد والجواري ...) ويتم أيضا الكشف عن الوجه الآخر للطغيان ، وهو "حرق الكتب وطرد الكتاب وحرق المكتبات واعتقال الشعراء والأدباء "1 . ومقابل الإشارة إلى صلاح الدين البطل الذي حرر بيت المقدس ووحد العرب ، يظهر قراقوش وكأنه الحاكم الفعلي لمصر ، وأن "صلاح الدين له المجد وأنا لي الشعب ...كل المصريين أحكمهم ..أحرق وابني واهدم واعمر ..ذي هي بلادي "2 .
ويبدأ المشهد الثالث بمحاكمة القاضي عثمان وزوجته وجدان ، لأنهما خالفا أمر قراقوش بعدم الزواج . ويحكم قراقوش بتطليق وجدان من القاضي عثمان ، ملفقا له تهمة "محاولة قلب نظام الحكم" !. وهي التهمة التي يمكن أن نطلق عليها صفة "التهمة المعيارية" Standard حيث يتم اللجوء إليها في الأنظمة الديكتاتورية كلما عجز النظام عن إيجاد الدلائل الثابتة لإدانة من لا يرغب في وجوده ! .
وتدور أحداث المشهد الرابع في مطبخ قصر قراقوش حيث ستتولى وجدان إدارة المطبخ . وفيه يظهر تشبت قراقوش بوجدان التي سيفضي إليها ببعض ما يعتبره من أسرار الدولة ، مثل بناء سور لمدينة عكا لمواجهة الصليبيين، وعدم اطمئنانه للمصريين، والفاطميين، ولصلاح الدين الأيوبي . وفي المشهد الخامس يقترح ابن مماتي على فرقة خيال الظل المكونة من يوسف و حمزة وأيوب، تقديم حكاية للجمهور تظهر استبداد قراقوش ، مقابل أحد عشر كيسا من الذهب . وبهذا المشهد ينتهي الفصل الأول .
أما الفصل الثاني، فيبدأ بالمشهد السادس الذي يتم فيه تقديم حكاية خيال الظل . وفي نفس المشهد يتم الإعلان عن أسر قراقوش من لدن الصليبيين . ويطلب صلاح الدين الأيوبي من الشعب أداء فدية لفك أسره . غير أن ابن مماتي والقاضي الفاضل يحرضان الناس على عـدم دفع الفدية . ويعلن المشهد السابع شيئا جديدا للمتفرج، وهو كره صلاح الدين الأيوبي للمثقفين، واعتباره الشعراء والأدباء شيئا تافها .وفي المشهد الثامن يظهر قراقوش من جديد بعد فك أسره من طرف الصليبيين . غير أنه يتعرض لمحاولة اغتيال بسهم جعفر . وتنتهي المسرحية بالمشهد التاسع الذي يموت فيه صلاح الدين الأيوبي، ويتولى قراقوش الحكم من بعده .
هذه المشاهد تترابط فيما بينها وتتفاعل لتخدم الفكرة المحورية في النص ، وهي الدعوة إلى التمرد والثورة لمواجهة السلطة الديكتاتورية، وتحقيق الديموقراطية والعدالة الاجتماعية .
والمسرحية تعرض قضايا بالغة العمق ،و تتخذ فترة من فترات التاريخ العربي منطلقا لأحداثها. وهذا ما يدل على استيعاب السيد حافظ لدور ووظيفة المسرح التي لم تعد تقتصر على كشف جراح المجتمع، بل تسعى إلى اقتراح حلول وبدائل .
ورغم أن هذه المسرحية تزيل الوهم التاريخي حول صلاح الدين الأيوبي ، بنزع الهالة التقديسية التي أحيط بها ، فهي لا تقلل من شأنه، ولا تنقص من قيمته البطولية ، وإنما تبحث في قيمة هذه البطولة التاريخية وآثارها في سلوك الأفراد وفي بنيتهم الفكرية . فالمؤلف يكشف لنا من خلال أحداث هذه المسرحية عن الآثار السلبية للأنظمة الديكتاتورية التي تنتج الاستسلام واليأس من خلال الاستغلال الذي تمارسه الطبقة الحاكمة :
كرم : اقبضوا على كل من يتجرأ ويهاجم نائب السلطان قراقوش ..ممنوع التجول في القاهرة ..كله ينام بأمر السلطان صلاح الدين الأيوبي .1
وهذا ليس جديدا عند السيد حافظ الذي يعتبر"من كتاب المسرح الإنسانيين ، ليس بنزعته نحو العدالة في الحياة فقط ، ولكن في اندماجه في هموم الحياة العربية ككل ، في تعبها الإنساني والمحاولة العاجزة عن خلق نظام يحقق مجتمعا جديدا تتحقق فيه سعادة تمسح الاندحار في أعماق الإنسان العربي"2 .
فالمسرحية تعالج قضية سياسية بالدرجة الأولى، وهي النظام العربي الديكتاتوري المنبني على الظلم والقهر والاستبداد والشطط في استعمال السلطة . إلا أن السيد حافظ يطرح من خلالها عدة قضايا اجتماعية ، معتمدا على التجريب ، سواء من خلال توظيفه لتقنية "المسرح داخل المسرح" أم للتراث أم لتقنيات أخرى كتقنية الاسترجاع "الفلاش باك". والسيد حافظ يعري الأقنعة السياسية والاجتماعية مجربا كل التقنيات التي يتيحها له المسرح. فهو حين رام الكشف عن زيف الواقع العربي _والمصري بصفة خاصة - لجأ إلى التراث الشعبي من خلال التاريخ القومي ، وذلك باستعارة شخصية صلاح الدين الأيوبي . ولم يكن توظيفه للتراث هنا غاية في حد ذاته ، بل وسيلة وظيفية لخلق اللاتوازن بين الواقع والتمثيل. فصلاح الدين الأيوبي شخصية تاريخية مقدسة بما يمثله من رمز للجهاد في سبيل الإسلام وحرب على الصليبيين وتحرير بيت المقدس ...غير أن التاريخ لم يضء لنا جوانب الحكم في عهده . وبهذا يؤكد السيد حافظ المقولة التي تعلن أن التاريخ الحقيقي ليس ما يكتبه المؤرخون، بل هو ما يوجد في كتب الأدباء ودواوين الشعراء ! ..هذا الاستبداد كشفه المؤلف من خلال استعارته لشخصية قراقوش المتجذرة في الذاكرة الشعبية المصرية كرمز للظلم والاستبداد .
وإذا كان التراث مصدرا مهما و غنيا في الكتابة المسرحية عموما فلأنه "ذاكرة جماعية تلتقي عندها كل الذوات.. ذاكرة موصولة بالماضي والتاريخ والأرض.."1 . والسيد حافظ من خلال لجوئه إلى التراث ، يعلن موقفه الخاص من التاريخ ومن الماضي ، و يسائل التاريخ المصري في عهد صلاح الدين الأيوبي، ليفهم الحاضر، وليعمق الحدث ويردم البعد الزمني والمكاني بين الواقع والتاريخ ، فتصبح الشخصية التراثية هنا مادة وظيفية لتفسير الواقع .
إن المواقف التي نقلها لنا السيد حافظ في مسرحيته هذه من خلال الرمزين التاريخيين المتناقضين : صلاح الدين الأيوبي وقراقوش ، هي نفسها المواقف التي تطفو الآن على سطح الواقع العربي الراهن الممزق سياسيا واجتماعيا . لذلك لجأ المؤلف إلى تغريب أحداث التاريخ، بغية وضع المتلقي أمام حقائق جديدة، بهدف طرح تساؤلات حول هذا التاريخ العربي بصفة عامة، والمحاط بظلال الهيبة والقداسة ، ومحاولة اختراق هذه القداسة والنبش في ما اعتبر دائما من الطابوهات: وهو فضح الأنظمة العربية الديكتاتورية .
والبعد التراثي في هذه المسرحية لا يقتصر على استلهام شخصية تاريخية فقط ، بل يتجلى أيضا في توظيف شكل من أشكال المسرح الشعبي القديم، هو "خيال الظل" بغية التعبير من خلاله عن الموضوع الرئيس للمسرحية ، وهو فضح ظلم واستبداد السلطة الحاكمة . ويتجلى لنا ذلك من خلال المشهد الخامس مثلا ، حيث تتحاور شخصيات تقدم "خيال الظل" عن عرض الوزير السابق ابن مماتي لهم بتقديم حكاية عن قراقوش ، مقابل أكياس من الذهب ، فيظهر ظلم قراقوش من خلال كلام يوسف :
" ما انت شايف من يوم العلقة اللي عطاها لنا قراقوش واحنا مش لاقيين شغل وخايفين نقدم أي حاجة"1
وكذلك في الحوار الآتي :
يوسف : هي الحكاية اسمها إيه ؟
ابن مماتي : الفاشوش في حكم قراقوش .
الجميع : إيه قراقوش ! ( ينظرون إلى بعضهم )
يوسف : انت بتهزر .
ابن مماتي : أنا ما بهزرش ..حتقدموا حكايات عن قراقوش في الأراجوز .
أيوب : ياعم احنا لسه طالعين من مشكلة مع قراقوش واتفقنا نقدم حكايات عن الشاطر حسن..عن ست الحسن ..عن عنتر..عن أبوزيد الهلالي لكن عن قراقوش ! دي الصعبة ..فيها شنقة .2
وفي نهاية الحوار ، وتبعا للإغراء المادي، سيقبل أفراد الفرقة بتقديم الحكاية . وهي حكاية تدخل في ما يسمى بالكوميديا السوداء ، حيث يتوسل الكاتب بالضحك من أجل كشف الحقائق السياسية والاجتماعية المؤلمة :
يوسف : يا عم الوزير وأنا ماشي في سكتي ومراتي جنبي ..ضرب العسكري عبد الموجود الست بتاعتي في بطنها فسقطت ..والواد اللي في بطنها سقط ..ابني مات ابني مات ..سقط.
أيوب : الكلام دا صحيح يا عبد الموجود ؟
حمزة : غصبن عني يا مولاي الوزير قراقوش ..والله ماخت بالي .
أيوب : خلاص ..خلاص..العسكري عبد الموجود .
حمزة : نعم يا سيدنا الوزير قراقوش
أيوب : خد الست دي عندك...مرات الفلاح يوسف أكلها وشربها وحميها وامليها (يضحك الناس ) ولما تبقى حامل في سبع شهور رجعها لجوزها ومعاها عيل في بطنها ..وتبقوا خالصين .
يوسف : عليه العوض ...يللا يا ام العيال .
( يضحك الناس ويصفقون )1
هكذا استطاع السيد حافظ أن يسخر هذا الشكل التراثي الشعبي لخدمة قضية سياسية . وبما أن الشخصيات التي مثلت "خيال الظل" هي نفسها التي تقوم بأدوار رئيسية داخل المسرحية ، يمكن أن نعتبر ذلك توظيفا لتقنية "المسرح داخل المسرح" . وهي تقنية ترمي إلى التمرد ضد الإيهام الأرسطي الذي ينحصر في التقليد الكامل للواقع . كما تعتبر عملية هامة تساعد على إضفاء جمالية على النص الدرامي . وقد وظف هذه التقنية كذلك في المشهد الثاني من المسرحية، معتمدا على تقنية "الفلاش باك" ليبين كيف أقال صلاح الدين الأيوبي الوزير ابن مماتي ليجعل مكانه قراقوش .
وإذا كان التراث العربي الإسلامي من أهم مرجعيات المسرح الاحتفالي، فإنه يتماشى هنا مع رغبة السيد حافظ في التجريب المسرحي، حيث نجد مظاهر عدة للمسرح الاحتفالي في هذه المسرحية ، كتوظيفه لفضاء الأسواق والحلقة :
( يتغير الديكور مع موسيقى القراقوز .. وأصوات الباعة الشعبيين ..مع فيد إن إضاءة ..يدخل ديكور السوق)
في المستوى الثالث : دكان عبود الجزار ..دكان حنا الحلاق ودكان سمحون الحلواني
في المستوى الثاني : مدخل للحارة في اليمين وبائع حلوى يجلس على الأرض ..في اليسار بائع بقفص برتقال
في المستوى الأول : أمام الجمهور فراغ ساحة السوق .
( يدخل تابلوه استعراضي ..القراقوز بما يعني ..)
حكايات الأراجوز ..
أفضل من أكل اللوز ..
كلها معاني وكلها أغاني
وبعد انتهاء التابلوه يقومون بتقديم ستار كبير لخيال الظل .1
ويبدو أن المسرح الاحتفالي يحضر بقوة أيضا من خلال خاصياته : الإدهاش والتحدي والتجاوز، واعتبار الممثل محور العمل المسرحي إلى جانب تناوله لقضايا الناس المجتمعية ، كالفقر والجهل والمخدرات ...
فجعفر مثلا وهو الشخصية الرئيسية في المسرحية ، يتحدى قراقوش في مواقف عديدة داخل المسرحية . وهو بذلك يحدث الإدهاش في ذهن المتلقي، لأنه يخرق المألوف والعادي مقارنة مع الواقع العربي الذي لا يجرؤ فيه المواطن العادي على تحدي السلطة الحاكمة ، مما يجعله يطرح التساؤل عن هذه الشخصية وعن مصيرها . والمسرحية أيضا تقوم على الصراع مع الواقع من أجل تغييره. وفي هذا يتجلى التحدي بكل مظاهره .كما أن ما يتلقاه المشاهد عن فترة حكم صلاح الدين الأيوبي ، يثير الاستغراب في ذهنه ، وبذلك يتحقق الإدهاش . وبتوفر هاتين الخاصيتين لابد للمتلقي أن يصل إلى ما يسمى في المسرح الاحتفالي بالتجاوز ."فالمتلقي في المسرح الاحتفالي عنصر فاعل ، لذلك فهو يعمل على تجاوز تناقضات مجتمعه "2.
كما يلتقي الجانب الأيديولوجي للمسرحية مع التصور الأيديولوجي للمسرح الاحتفالي الذي يعتبر نفسه معنيا بما يجري في الواقع .ولذلك يسعى إلى التغيير عن طريق الممارسة الفعلية .وهذا ما فعله ابن مماتي _ المثقف الوحيد في المسرحية- حين أوعز لفرقة "خيال الظل" بتقديم حكاية عن ظلم قراقوش من أجل فضحه . وكان من الطبيعي أن يتخذ ابن مماتي هذا الموقف، باعتبار أن المثقف مسؤول عن تغيير أوضاع بلاده .
إن الاحتفالية "موقف من الوجود ومن السياسة والأخلاق ، ومن الحياة والموت ومن التراث أيضا . وهو موقف يقوم على أساس الرفض ، رفض السائد والجاهز والعادي وذلك بحثا عن الغريب والمدهش والمرعب والمثير"3 . وكل هذا نجده في مسرحية " قراقوش والأراجوز والحرفوش" التي يبرز فيها موقف السيد حافظ تجاه الواقع والتاريخ :
جعفر : ( يشرب كأس ) أنا عايز أفهم حاجة واحدة بس ...صلاح الدين الأيوبي
عايز إيه بالضبط .
صلاح الدين : (يظهر ) التاريخ الذي سيقول من الذي وحد العرب والمسلمين
..وحرر بيت المقدس .
( صياح الجماهير ..عاش صلاح الدين )
جعفر : وقراقوش بيعمل إيه بالضبط .
قراقوش : ( يظهر في البرواز ) أنا الحاكم الفعلي لمصر والسلطان صلاح الدين له المجد
وأنا لي الشعب ..كل المصريين أحكمهم ..أحرق وابني واهدم واعمر دي
هي بلادي
جعفر : والناس فين ؟
القاضي الفاضل : ( يظهر في البرواز ) عيني عليك يا شعب مصر ..عيني عليك يا بلد
لحد الآن ما جاش ليكي ولد يحكم أرضك وناسك ..شارب من مية نيلك ..مولود من أب مصري وأم مصرية ..حتى صلاح الدين ساب قراقوش يتحكم في العباد ..عيني عليك يا بلد 1.
والاحتفالية تركز على جوهر الظاهرة المسرحية، أي على الاحتفال في حد ذاته . لذلك نجد المؤلف يلجأ هنا إلى بعض مظاهر الاحتفال ، كالاستعراض، والغناء، والرقص، وهتاف الجماهير بحياة صلاح الدين الأيوبي : ( يتحرك الديكور إلى الحارة والساحة والناس فرحة وفي هرج ومرج ....ويخرج الزعران والشطار والقراقوزات في احتفالية فرحين بجعفر ووجدان وعم عبود ووحيدة وتقف نرجس تزغرد ) 2
ومن عناصر التجريب الأخرى الأكثر بروزا في هذه المسرحية ، اعتماد السيد حافظ على بعض مرتكزات المسرح الملحمي ، كتقنية التغريب التي تسعى إلى تنبيه المتفرج إلى كونه لا يشاهد أحداثا تجري أمام عينيه، وإنما عليه أن يفكر ويتساءل في هذه الأحداث . وعنصر التغريب من أهم عناصر المسرح الملحمي ، حيث يعتمده المؤلف بهدف إلغاء حالة الاستلاب التي كرسها المسرح الأرسطي . ويتجسد التغريب هنا في التكثيف الدرامي الإيحائي للأحداث الذي يسعى من ورائه المؤلف إلى دفع المتفرج نحو تملك الواقع من جديد . ويحضر التغريب في المشهد الأول :
جعفر : انت اجوزت إمتى ؟
عثمان : من شهرين ( ينظر حوله ) بس في السر
جعفر : في السر ليه ..هو الجواز حرام
عثمان : لا مش حرام بس خايف من قراقوش ..
جعفر : ليه تخاف من قراقوش ..دا جواز في الحلال
عثمان : لما يعرف ان واحد اتجوز من الموظفين بيطرده من وظيفته ..بيقول مش عايز جواز وعيال احنا عاملين سياسة التقشف ..وبيدوروا ويفتشوا بيوت الموظفين .. أحسن يتجوزوا من ورا قراقوش .1
فالحدث هنا غير مألوف بالنسبة للمشاهد ،وهو قيام السلطة الحاكمة ( ممثلة بقراقوش ) بمنع الموظفين من الزواج ، حتى لا تشغلهم هموم البيت والأطفال عن أداء مهامهم .و بالتالي لابد أن يثير هذا الحدث في ذهنه مجموعة من التساؤلات التي تجعله مشاركا في الأحداث . وهذه التساؤلات لا تبقى محصورة داخل قاعة العرض، بل تنتقل إلى الواقع . وهذا هو هدف المسرح الملحمي .كما أن عملية المسرحة théâtralité التي تتجلى في حوار الشخوص من وراء البراويز في المشهد الثاني ، تنبه عقل المتفرج وإحساسه ، وتسمو به إلى عالم جمالي وخيالي متنوع الحركات والأبعاد الفكرية . وهذا يدخل في صميم الملحمة البريختية كما خطط لها بريخت في "الأرغانون الصغير". ويتحقق الجانب الملحمي هنا أيضا في أدلجة المتفرج وتسييسه طبقيا . فالملحمة البريختية تنظر إلى الفن الدرامي على أنه واجهة من واجهات الصراع الاجتماعي . ومسرحية "قراقوش والأراجوز والحرفوش" تهدف إلى تعرية الواقع العربي، وتحديدا الواقع المصري المهترئ ، وفضح أساليب القهر الاجتماعي التي يعانيها الإنسان المصري البسيط ، من أجل إعادة الاعتبار إليه، وحمله على تجاوز معاناته ومواجهة الإحباطات التي يعرفها .
كما أن تركيز المؤلف على قضايا الإنسان البسيط ، تبين الجانب الملحمي للمسرحية ،وذلك ليكون الجمهور فاعلا في العرض المسرحي . ولأجل هذه الغاية يلجأ إلى تقنية جمالية أخرى ، تتمثل في تحطيم الجدار الرابع .و يتجلى ذلك مثلا في الإرشادات المسرحية في الصفحة 11 حيث نجد : ( بضيق وهو يحرك جيوبه في الهواء للجمهور ) .ولم يقتصر استيحاؤه للمسرح الملحمي على هذه الجوانب، بل أخذ منه أيضا النهاية المفتوحة ، حيث إن موت صلاح الدين المعلن عنه في نهاية المسرحية لم يتبعه إنهاء وجود قراقوش في الحكم كنتيجة منطقية ، بل بالعكس من ذلك سيتولى قراقوش سلطة البلاد ويتسلم مقاليد الحكم ، وبذلك ستترسخ المعاناة وتبدأ محنة جديدة .
الصراع الدرامي :
إن الصراع الدرامي يعد مفتاحا لإضاءة جوانب متعددة من أحداث المسرحية . وهو يظهر هنا في عدة مستويات . فالمعروف عن السيد حافظ أنه لا يفصل بين السياسي والاجتماعي في أعماله المسرحية . غير أن الصراع ضد السلطة يظل في المقدمة . ومما يسم الصراع هنا بطابع الحدة :كثرة الأسئلة . وهي أسئلة مستفزة قلقة تساهم في إبراز وتعميق التيمات الأساسية في النص، والمتمحورة حول الصراع الفكري ضد السلطة المطلقة التي تستعبد الإنسان . وكلما اشتد الصراع، إلا وظهرت علاقة الشخصيات، وتحددت مواقفها بصورة واضحة .
الشخصيات :
ولتجسيد هذا الصراع ،وظف السيد حافظ هنا مجموعة كبيرة من الشخصيات ، مما يبرز البعد الاحتفالي في النص . وإذا كانت الشخصية عموما تعتبر عنصرا أساسيا في الكتابة المسرحية ككل ، فقد أعطى السيد حافظ هنا أهمية بالغة لشخصياته . فشخصية جعفر تمثل صورة للإنسان العربي الكادح الذي يسعى إلى التغيير . أما شخصية القاضي عثمان، فجاءت نموذجا للإنسان العاجز الذي لا يجرؤ على اتخاذ موقف معين تجاه الواقع الظالم . وهذا النوع غالبا ما ينتهي إلى الجنون تحت تأثير الضغط النفسي . أما شخصية صلاح الدين الأيوبي، فبدت هنا باهتة رغم الإشارات البطولية القليلة التي كان المؤلف يسبغها عليه من حين لآخر . وعلى العموم فشخصيات هذه المسرحية ، شخصيات ضائعة تتلمس طريق النور في متاهة الحياة ، وتبحث عن قيمة الإنسان في ظل الأنظمة العربية الفاسدة . وتعيش مواقف من الخوف والرعب وهي تسعى إلى تحقيق الحق في الحياة الكريمة ،سواء أ كان ذلك على الصعيد الاجتماعي أم على الصعيد السياسي . لأجل هذا كله جسدت الشخصيات أدوارها بشكل درامي واقعي ، وساهمت في تركيب الأحداث ونقل شهادة نقدية عن المجتمع الذي يصوره لنا الكاتب ، حيث تتفاعل الشخصيات فيما بينها ، وتنمو مع الأحداث لتخرج الصورة النهائية والبناء المحكم للمسرحية .
ويمكن القول إن المؤلف أخضع شخصياته هنا أيضا للتجريب، حيث أخذ من المسرح التعبيري المتأثر بنظريات فرويد ما اصطلح عليه بالشخصية النموذج type : أي الشخصية التي تطلق عليها أسماء رمزية مثل " الشاعر " و"الشرطي" ...وتمثلها هنا شخصية : القاضي الفاضل .
ومن المسرح الوجودي الذي تتميز فيه الشخصية بكونها صورة للإنسان الواقعي لا مجرد شخصية رمزية ، شخصية متأزمة الضمير .و نجد مجموعة من الشخصيات في المسرحية تحمل هذه الصفات كجعفر وعثمان وفل (بائع الحشيش ) وبوسة ( المغنية ) ....أما المسرح الطليعي الذي يهتم فيه المؤلف بتحليل الشخصية مثلما يحلل عالمها الخارجي ، فقد أخذ السيد حافظ منه نموذجين هما : شخصيتا قراقوش وصلاح الدين الأيوبي .
وأغلب هذه الشخصيات تعرف نفسها بنفسها :
ابن مماتي : أنا اسمي ابن مماتي ..أبي كان من الأدباء الكبار والمسئولين الكبار في الدولة الفاطمية وفي أيام المجاعة كان الأطفال يقفون على بابه ويقولوا ماماتي..ماماتي..فسموه مماتي
جعفر : ومات
مماتي : أيوه
جعفر : حيدخل الجنة مع أبويا الله يرحمه . إن شاء الله لما يموت أبويا ..وبتشتغل إيه ؟ ( يشرب كأس )
ابن مماتي : وزير .1
يمكن إذن أن نعتبر شخصيات هذه المسرحية مجرد أدوات وظيفية لإبراز مواقف معينة، وليس لخلق الأحداث فقط .

الزمن :
وإذا نظرنا إلى الزمن كمكون آخر من المكونات الجمالية للنص المسرحي ، سنجد المؤلف يضفي عليه طابع الاستمرارية والامتداد . فأحداث هذه المسرحية تدور في زمن قديم في التاريخ ، جديد في الواقع ( 750 ه – القاهرة الأيوبية)، مادامت أسباب التغيير والتحول غير متوفرة . وهو زمن الديكتاتورية العربية القديمة في نشأتها والدائمة بمظاهرها ونتائجها . فمن خلال عودة السيد حافظ إلى حكاية تاريخية ( صلاح الدين الأيوبي )، يؤكد أن الإبداع المسرحي لا يتقيد بزمان معين ، لأن ما يهمه من الزمن هو ما يحفل به من مواقف، وليس ما يتضمنه من أحداث . ولهذا يمكن اعتبار هذا النص ممثلا لكل العصور (فلكل عصر قراقوشه ) إلى أن تطرأ متغيرات تاريخية جديدة !
وقد اعتمد المؤلف على تقنية الاسترجاع المسرحي "الفلاش باك " ، التي تحقق الفرجة الفانتازية . وهي تقنية تغريبية بالدرجة الأولى ، حيث يلجأ المؤلف إلى عملية التحيين actualisation لزمن صلاح الدين الأيوبي ويربط بينه وبين الواقع . وبما أن الزمن الحاضر هنا هو جزء من الماضي أو امتداد له ، فإن المؤلف لم يفرق بين الزمن النفسي في المسرحية وزمن الأحداث ، حيث إن التداخل بينهما عن طريق عنصري الاسترجاع والاستشراف (الذي سيوظفه في نهاية المسرحية ) ، يؤكد نوعا من الاستمرارية التاريخية التي تمتد عبر الزمن ، لعدم وجود تحول في الأنظمة العربية ، وفي هذا التمازج ما يؤشر على "اللازمن". وهنا يتجلى عنصر التغريب .
كما أن تقنية "الفلاش باك" الطاغية على المسرحية ، تساهم في تكسير الحدث وتحطيم الزمن المتتابع . وهذا ما ساهم في إبعاد الملل عن المتلقي و تحقيق مشاركته في تركيب الأحداث .
وبذلك ظلت المسرحية تعبر عن آنيتها وتحتفظ بقيمتها .
وللكتابة السينوغرافية في هذه المسرحية دور في إقامة أزمنة أخرى تنتجها عملية المسرحة théâtralité . لهذا نجده يستغل مكونات أخرى في تحديد الزمن كالإضاءة مثلا :
ابن مماتي : جعفر باعني لقراقوش ! ..إزاي ..أفهم ..جه الزمان اللي المصري يسيب بلاده ويرحل بعيدا عنها ويهرب من حكامها الظلمة اللي هم مش مصريين ..آه يا بلادي .
( إظلام على ابن مماتي ..فيد إن على أفراح السوق والأهالي ) ( نرجس تقف جانبا في أول مستوى للمسرح مع جعفر )
جعفر : والله وبقيتي مراتي
نرجس : بقولك مش عيزاك تبص كده ولا كده للستات .1
المكان :
والمكان المسرحي هنا كإطار عام للأحداث ،تربطه علاقة وطيدة بالزمان . وهذا من خصائص المكان المسرحي عموما ، حيث يرتبط بكل العناصر المكونة للمسرحية كما ذهب إلى ذلك بول شاوول حين قال :" المكان المسرحي لغة مسرحية ، جزء من اللغة المسرحية ، جزء من الممثل ، جزء من الحرية ، جزء من الواقع ، المكان المسرحي هو الواقع المسرحي الذي يجسد الواقع العام "1. لذلك نجد أن تقنية "الفلاش باك " التي اعتمدها المؤلف هنا تشتغل على مستوى الزمان والمكان معا .
ورغم أن المكان العام هنا هو القاهرة الأيوبية ، إلا أنه يتخذ بعدا رمزيا ليصبح أي مكان يحتوي الظلم والاستبداد في الأرض العربية .
ويمكن الحديث هنا أيضا عن نوعين من الفضاء المكاني :
مغلق ويمثله :منزل القاضي عثمان –منزل عبود - الحانة – المطبخ –المحكمة –السجن - قصر صلاح الدين الأيوبي – قصر قراقوش ...
مفتوح ويمثله :السوق – الحارة – الشارع –مكان مهجور خارج المدينة –ساحة المدينة –الميدان
إن التداخل بين هذه الفضاءات ساهم في إثارة عنصر الإدهاش لدى المتلقي ، خاصة بعدما أخضعها السيد حافظ لتقنيات متنوعة، كالمسرح داخل المسرح والتغريب والفلاش باك ..
اللغة والحوار :
وإذا اقتربنا من المستوى الأدبي للمسرحية ، سنجد أن السيد حافظ قد اعتمد أساسا على اللهجة المصرية وعلى التعدد اللغوي . فهناك لغة القاضي الفاضل ( عثمان ) ، ولغة الصعلوك المتشرد ( جعفر )، ولغة الأديب المثقف ( ابن مماتي )، ولغة تاجر الحشيش (فل ) ولغة الحاكم الآمر( قراقوش )...الخ
كما وظف الأناشيد :
فل : هزمتهم كسرتهم ( يلقي قصيدة )
وجيت لمصر نورتها
وجيت لمصر عمرتها
وجيت لمصر ولعتها
( يظهر فجأة القاضي عثمان )
عثمان :وجيت لمصر خربتها
وجيت لمصر دمرتها
وجيت لمصر دفنتها ( هرج ومرج ) 1
وفي مكان آخر من المسرحية نجد :
حكايات الأراجوز
أفضل من أكل اللوز
كلها معاني وكلها أغاني .. 2
غير أن المؤلف لف كل هذه المستويات اللغوية في طابع شعبي من خلال حوارات مباشرة تطبعها التلقائية . والتلقائية كما نعرف تعد عنصرا مهما في المسرح الاحتفالي . وهي أيضا خاصية تطبع مسرح السيد حافظ بصفة عامة . فهو يضع لكل شخصية لغتها الخاصة، فتأتي حواراتها صادقة وعفوية .
كما جاءت هذه الحوارات قصيرة ومحملة بالعديد من الأفكار الأيديولوجية ، مما يقربها جدا من المسرح الملحمي . وهذا يؤكد البعد التجريبي في المسرحية .
وقد وردت أيضا مجموعة من المونولوجات تجسد حيرة الشخصيات :
جعفر : قراقوش ..قراقوش.. كل الناس بتقوم وتنام وتقول قراقوش جرى إيه ؟ فيه إيه ؟ ماله قراقوش ؟ مفيش راجل في مصر غير قراقوش ..الله هو ماعدش رجالة في
مصر ..بس اللي محيرني بصحيح إزاي صلاح الدين اختاره ..واشمعنى دا بالذات اللي اختاره النائب بتاعه يحكم البلاد ويتحكم في العباد . ..وأنا مالي ( يهرش في رأسه ) (يفتش جيوبه ويخرج ما فيها حيث لا يوجد أي شيء ) أنا مفلس ..وبعدين ..أعمل إيه ..(ينظر يمينه ويساره فيجد بيت القاضي ) ده بيت القاضي هانادي عليه وأزعجه (ينادي ) يا عم القاضي، يا عم عثمان ..يا قاضي الجيزة .1
وقد صاغ المؤلف هذه الحوارات أيضا في أسلوب السخرية ، والكوميديا الصادمة . وهي سخرية مستهدفة . فمنذ البداية يضع الكاتب تحت العنوان الداخلي للمسرحية توضيحا صغيرا : مسرحية كوميدية – الرؤية الثانية . والسخرية كما نعلم ، من أنجع الوسائل للتأثير في المتلقي . فهي تكشف الحقيقة وتعبر عن الرفض للواقع المحبط ، بغية إجبار المتلقي على اتخاذ موقف من الواقع ، وعدم الاكتفاء بالانتظار السلبي :
قراقوش : بأمر قراقوش وزير ونائب السلطان صلاح الدين الأيوبي المعظم أمرت
بإحراق الكتب وطرد الكتاب وحرق المكتبات واعتقال الشعراء والأدباء .
لا صوت يعلو على صوت المعركة .
( ضوء على صلاح الدين ) ( بلاك على قراقوش )
صلاح الدين : إن المعركة الأساسية التي تواجه الأمة العربية هي الوحدة . وطن واحد
من المحيط إلى الخليج ..
( بلاك ) ( ضوء على القاضي الفاضل برواز 3 )
القاضي الفاضل : من القاضي الفاضل ...إلى السلطان المعظم صلاح الدين الأيوبي
..أما بعد فإن هذه الكتب هي روح الأمة والثقافة هي النور ، والعلم
هو نعمة الله علينا فاسمحوا لي بشراء الكتب .
قراقوش : بأمر قراقوش نائب السلطان المعظم صلاح الدين ..الكتابة هبابة ، والكتب
بها أفكار سوداء وحشو ولغو وتطرف في الدين والكتاب والشعراء ليس لهم
أي لزوم 2
إن عنصر الحوار في أي نص مسرحي يقوم بوظيفة مزدوجة : فهو يقوم بتبليغ الفكرة الرئيسية ، ويعرف المتلقي على الشخصيات والأحداث، بما أن الأحداث في المسرح لا يرويها الراوي بل تقع مباشرة على الخشبة .ولهذا سعى السيد حافظ من خلال عنصر الحوار هنا ، إلى جعل الشخصيات تحدد مواقفها من الأحداث ومن بعضها البعض . وهي في الحقيقة مواقف المؤلف من العالم ومن قضايا الإنسان المعاصر بصفة عامة ، حيث اعتمد الكاتب على الحوار ، ساعيا بذلك إلى التغيير والرفض ، وتوعية الفئة المهمشة في المجتمع، للخوض في العمل السياسي، ولتحقيق الآمال والأحلام التي تراودها ( الحوارات التي دارت بين جعفر والقاضي في المشهد الأول وبين ابن مماتي وجعفر في المشهد الثاني ) .وقد استطاع السيد حافظ من خلال الحوار بين شخصياته أن يبلغ رسالته .
2 - المستوى السينوغرافي
يعتبر السيد حافظ من المسرحيين الذين تمكنوا من الجمع بين الكتابة والإخراج المسرحي . وهذا ما يتجلى بوضوح في مسرحية قراقوش التي أرفقها بمجموعة من الإرشادات المسرحية التي ساهمت في تركيب الأحداث .
ويؤكد النقاد المحدثون أن فن المسرح ليس مجرد نص مكتوب، ولا يأخذ أهميته من الحبكة الأدبية ، بل مما يضفيه عليه نص العرض من ملابس وديكور واكسسوارات وموسيقى وإضاءة ورقص ...وكل ما يسخره المخرج لإثارة وجدان المتفرج وعقله، وجعله يشارك في العرض . يقول عبد الكريم برشيد عن الإخراج :"إنه كتابة سينوغرافية ...تكتب داخل الفضاء الذي تمثله الخشبة .وهو فضاء حسي يجسده المكان والزمان ...فهو حوار حسي مباشر مع أكثر من محاور واحد .فهو أولا حوار مع النص الأدبي ينتهي إلى إعطاء تركيبات إبداعية فيها شيء من الأدب والفكر ، وشيء آخر من الصناعة .وهو ثانيا حوار مع الممثل ...وهو ثالثا حوار مع الجمهور ، فهو شرط الإبداع المسرحي ."1
نفس التصور نجده عند الباحثة الفرنسية آن أوبرسفيلد ، التي تعتبر المسرح ممارسة حية فوق الخشبة ، بفضل خضوعه للمكونات السينوغرافية، والمؤثرات الصوتية والضوئية، والديكور وغير ذلك من عناصر الإخراج . فاجتماع هذه العناصر مع بعضها هو الذي يمنح الحياة للنص المسرحي، ويخرجه من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل .بل ذهب بعض النقاد إلى اعتبار النص مجرد عنصر من المكونات المختلفة والمتكاملة التي تشكل بنية العرض المسرحي . وهذا نابع من خاصية تتميز بها الكتابة للمسرح تسميها الباحثة آن أوبرسفيلد "بالنص المثقوب ": ، أي أن النص مليء بالفجوات المقصودة التي يترك المؤلف أمر ملئها لمختلف الفنانين والفنيين المشتغلين في إنجاز العرض: ( المخرج – الممثلون – مصمم ومنجز الإنارة – مصمم ومنجز الفعاليات الصوتية ...) غير أن السيد حافظ في هذه المسرحية ، لم يترك هذه الفجوات ، وحاول جاهدا أن يوازي بين نص التأليف ونص العرض .بل أحيانا يعطي الأهمية لنص العرض أكثر من نص التأليف* ، حيث يظهر من خلال الإرشادات المسرحية العديدة في هذه المسرحية أن السيد حافظ يولي عناية فائقة بعرض مسرحيته، ويملك وعيا قويا بفن الإخراج المسرحي .
فالعرض المسرحي هو فعل تواصلي بكل ما في الكلمة من معنى . لذلك اعتبر الإخراج كتابة جديدة للنص .فالإرشادات المتعلقة بالتشخيص مثل( يهرش رأسه ) ( يفتش جيوبه ويخرج ما فيها حيث لا يوجد أي شيء ) ( يدخل إلى الحانة وهو يتمايل ويرقص ويغني ) أو بالكلام والتنغيم الصوتي ( يضحك شاوور ضحكة هستيرية... - يهمس بصوت مرتفع لزنبيل ..- بلهجة قاسية... –يبكي بكاء كاريكاتوريا )أو الحركة داخل الفضاء : ( هرج ومرج وجري ..قراقوش ينحني تحت المائدة ) أو الماكياج (رجل في السبعين له ذقن مسبوغة بالأسود ..) أوالإرشادات الأخرى المتعلقة بالفضاء ( الاكسسوار-الديكور-الإنارة-الموسيقى-والمؤثرات الصوتية ) ، كلها تسهم في ربط التواصل مع المتلقي .
من هنا يمكن اعتبار السيد حافظ من المؤلفين الجادين الذين يعتبرون العرض من أهم مكونات العمل المسرحي .
الفضاء :
للفضاء المسرحي في هذا النص أهمية كبرى. وهي تعكس الاتجاه التجريبي للسيد حافظ . فقد استغل المؤلف فضاء الحلقة العربية كما كان يفعل المداح والراوي والحكواتي :
ــــــــ
* انظر مثلا الصفحات : 9-24-35
جعفر : ( يهرب منها ) ( ينادي ) قرب ..قرب..قرب تعال وشوف ..الحكاية
الغريبة ..حكاية الأراجوز ..الحكاية العجيبة..
حمزة : عجيبة العجايب
أيوب : غريبة الغرايب .
يوسف : حكاية الفاشوش في حكم قراقوش .
جعفر : قرب ..قرب
( يتجمع الناس ) ( تقترب نرجس من أبيها )
جعفر : ......موسى نبي ..عيسى نبي ..محمد نبي ..وكل من له نبي يصلي عليه .
( الناس تتجمع )
المجموعة : عليه الصلاة والسلام .
جعفر : سقفة لوجه الله ..( يصفقون ) وكمان سقفة علشان حبيب الله رسول الله
( يصفقون ) وكمان سقفة للسلطان صلاح الدين الأيوبي كلنا فداه (يصفقون)
بص وشوف على المكشوف .1
إلى جانب فضاء الحلقة ، قسم السيد حافظ الركح إلى ثلاثة مستويات ، حيث يدل كل مستوى على حالة معينة :
في اليمين مستوى أول : تجلس بوسة مطربة ومغنية ..تغني ياللي الهوى رماك .
في اليسار مستوى أول : يجلس أبو شنب بريمة . ومعه ثلاث فتيات .
في اليمين مستوى ثاني : يجلس فل تاجر الحشيش ..وبجواره ابن مماتي .
2 . في اليسار مستوى ثاني : يجلس زنبيل تاجر العبيد ومعه بعض الجواري .
3 . في المستوى الثالث : ثلاثة براويز ، برواز ذهبي في اليمين ( لصلاح الدين ) برواز فضي في الوسط ( لقراقوش ) برواز أرابيسك الثالث ( للقاضي الفاضل2
وهذا التقسيم يظهر أهمية الفضاء المسرحي عند المؤلف . كما استعان المؤلف بالإنارة للفصل بين الأركاح الثانوية داخل الركح الأساسي .
( فيد أوت على الحانة ) ( ضوء على صلاح الدين في المستوى الثالث )3
الديكور :
يعتبر الديكور في المسرح الحديث أداة تعبيرية ولغة تعبر عن الحالة النفسية التي تعيشها الشخصية في المسرحية . وهو هنا رغم بساطته ، يؤدي وظيفة تعبيرية أساسية في النص . فهو ليس ديكورا ثابتا، بل يتغير حسب المشاهد ، و يمكن أن نلمس البعد الاحتفالي الذي أعطاه السيد حافظ للديكور باعتباره أداة لخلق التواصل مع المتلقي :
(تابلوه استعراضي الكلمات تقول : (حلق حوش رايح جاي عمك قراقوش ) –قضبان
سجن – ميزان العدل المقوس وظاهر الاعوجاج—لافتة كتب عليها بخط جميل " محكمة قراقوش " – مجموعة قدور في المطبخ – شجرة في مكان مهجور – ديكور السوق ...)
والديكور هنا لا يستنسخ الواقع، ولكنه يعبر عنه بواسطة الرمز ، ليساهم في إغناء الفضاء والمكان وتحديد الحدث ، وكشف الجانب النفسي للشخصيات .
الاكسسوار
والاكسسوار من العناصر المرئية في العرض المسرحي . ويتميز بالتغير حسب المواقف والأحداث، لكونه يلعب دور الوساطة بين النص المسرحي والمتلقي .وتحمل الاكسسوارات التي تحفل بها هذه المسرحية عدة وظائف دلالية . ففي المشهد الثاني نجد في الإرشادات المسرحية ما يلي :"برواز من الذهب لصلاح الدين الأيوبي وآخر من الفضة لقراقوش وآخر من الأرابيسك للقاضي الفاضل " فكل برواز هنا ( الإطار الذي توضع فيه الصورة أو اللوحة ) يدل على قيمة صاحبه . أما الاكسسوارات الأخرى ( زجاجة خمر–كتب – كراسي – قدور كبيرة وصغيرة – القفة –قوس وسهم –صندوق – حبل – أقنعة – عرائس خشبية ...) فهي أيضا تلعب دورا وظيفيا في العلاقة بين المسرحية والجمهور .فزجاجة الخمر التي استعملها في المشهد الثاني - مشهد الحانة - والتي جمعت الأديب والوزير ابن مماتي مع المتشرد والصعلوك جعفر، تبرز حالة اليأس والإحباط التي يتساوى فيها كل أفراد المجتمع أمام آلة السلطة الجبارة والظالمة . أما الكراسي فترمز للسلطة ( كرسي كبير للسلطان صلاح الدين) (الكرسي خال ..)1. فالسلطان صلاح الدين موجود كحاكم رسمي للبلاد، ولكنه غير موجود كحاكم فعلي ، لأن هذه المهمة يقوم بها قراقوش .
الإضاءة :
تعتبر الإضاءة المسرحية من أهم المكونات السينوغرافية في المسرح الحديث . وهي لم تعد مجرد وسيلة للإبهار مثلما كانت عليه في المسرح الكلاسيكي ، بل أصبحت وسيلة جمالية إيحائية ورمزية ، تهدف بالأساس إلى كشف الحالات النفسية للشخصيات . كما أن السيد حافظ استطاع أن يخلق منها لوحات فنية أضفت جمالية على نص العرض :
( ضوء فيد أوت ..إظلام تدريجي مع أغنية واستعراض المطبخ ) ص 44
( عند انتهاء الاستعراض ..إضاءة فيد أوت في ركن اليسار تظهر بقعة ضوء يظهر فيها ابن مماتي وهو يقرأ الرسالة ) ص 92 .
( إظلام على ابن مماتي ..فيد إن على أفراح السوق والأهالي ) ص 92
ومما لا شك فيه أن الإضاءة لعبت دورا أساسيا في تقنية الفلاش باك التي اعتمدها المؤلف في مسرحيته هذه ، مثلما يتبين في الصفحتين 18و19 مثلا من المسرحية ، من خلال التنقل بين الإظلام والإنارة ، لتجسيد موقف أو حالة أو لقطة زمنية محددة . فمعظم أحداث النص تجسد عن طريق الفلاش باك، مما يعني كثرة التنقل بين بقع الضوء والظل ، فتكون الإضاءة مساهمة بشكل فعال في تجسيد الأحداث وتركيبها .ويلعب هذا التغير المفاجئ والسريع دورا في عملية الإدهاش ونزع المتلقي من حالة الإيهام الأرسطي ليظل عقله منتبها إلى الأحداث . وهذه العملية نجدها كذلك في المسرح الاحتفالي ،مما يؤكد البعد التجريبي في المسرحية من حيث نص العرض أيضا .
و تقوم الإضاءة عامة بدورين رئيسيين :دور تقني ودور تعبيري جمالي .ويتجلى الأول في الإعلان عن بداية العرض ونهايته ، وفي الفصل بين اللوحات ، وتعيين فضاء اللعب، والتركيز على شخصية بعينها أو على جزء منها . أما الدور الثاني، فيتجلى في إثارة الانفعالات باستعمال الألوان، وخلق الجو العام بضعف الإضاءة أو قوتها أو تنوعها ، وتوليها التعبير نيابة عن الممثل والتمييز بين الوقت والزمان .وقد حرص السيد حافظ على إبراز هذين الجانبين معا في الإرشادات المسرحية . فلم يترك للمخرج غير التنفيذ ، حيث ينهي المشاهد بالـ"فيد أوت " ( نهاية المشهد الأول ) أو بـ"بلاك أوت "( نهاية المشهد الثاني ) أو "ضوء فيد أوت ..إظلام تدريجي" في نهاية المشهد الثالث ..وهكذا ، وكما أشرنا في البداية يحرص السيد حافظ على كتابة نص العرض حرصه عل نص التأليف .
التشخيص:
يكاد الممثل يكون هو المكون الوحيد الذي لا يمكن الاستغناء عنه في النص المسرحي، إذ يمكن للمنظومات الدالة أن تغيب ( كالاكسسوار – الموسيقى – الديكور – الماكياج- الإنارة-الملابس ...) في النص المسرحي ، دون أن يؤثر ذلك على عمق العمل المسرحي . بل ذهب الفنان والمخرج المسرحي الإنجليزي بيتر بروك إلى حد القول : "أستطيع أن أتخذ أية مساحة فارغة وأدعوها خشبة مسرح عارية . فإذا سار إنسان عبر هذه المساحة الفارغة في حين يرقبه إنسان آخر ، فإن هذا كل ما هو ضروري كي يتحقق فعل من أفعال المسرح .."1
فالممثل يعتبر الوسيلة الأولى التي يتم عبرها التواصل مع الجمهور ، وهو الذي يترجم النص عبر كلامه وحركاته ويجسد الفعل المسرحي والأحداث . ولهذا كثر الحديث في المسرح الحالي عن الجسد كلغة مسرحية ، ودور الطاقة الجسدية للممثل في إنجاح العرض المسرحي. ولم يعد دوره مقتصرا على استهلاك النص مثلما كان عليه الأمر في المسرح التقليدي ،بل أصبح أداة لكشف الواقع وتناقضاته ، وبالتالي لم يعد يسعى إلى التوحد مع الشخصية بقدر ما يحاول تنبيهنا إلى الفرق بين الواقع والحقيقة .وأصبح الممثل مبدعا ثالثا في العرض المسرحي (بعد المؤلف والمخرج ) ،إذ يطبع الشخصية بطابعه الخاص، ويشحنها بكل ما يملك من طاقة جسدية وفكرية وإبداعية .
من هنا يبدو أن الممثل في مسرح السيد حافظ لا بد أن يكون مبدعا . وفي هذه المسرحية يقوم عدد من الممثلين بأدوار مختلفة على غرار ما نجد في المسرح الملحمي . فجعفر يؤدي دور الصعلوك المتشرد كدور رئيسي في المسرحية ككل . لكن السيد حافظ يسند له أيضا دور امرأة في المشهد الرابع كي يتمكن من لقاء وجدان ( يدخل جعفر في زي امرأة ..يرتدي طرحة ..يحمل قفة ) ودور امرأة أخرى " سمارة " في حكاية " الفاشوش في حكم قراقوش"التي يقدمها "خيال الظل"في المشهد السادس .
كما أن الحركة الجسدية تقوم في هذه المسرحية مقام اللغة عند الممثل . وهذا ما نجده في العديد من الإرشادات المسرحية ، مما يبين أهمية دور الممثل في مسرح السيد حافظ بصفة عامة ( يظهر قراقوش في خيال الظل فوق حصان يضرب الناس ..كلما ضرب شخصا ضربا مبرحا ظهر على المسرح ( لايف ) حيا مجسدا أو هو مصاب ..حتى يمتلئ المسرح بالبشر المصابين والمجروحين )1 . فأكيد أن هذه الإشارة إلى حركات الممثلين تعكس الفكرة المحورية للنص المسرحي هنا. وهي إبراز استبداد قراقوش وظلمه للناس وجبروته . ونفس الفكرة يجسدها الممثلون من خلال الإرشاد المسرحي الآتي ( عندما يجري الناس أطفالا وشيوخا ونساء في أرجاء المسرح ..يظهر قراقوش وهو قادم من خيال الظل محمولا على ظهور الناس ..وكلهم منحنون ليدوس عليهم أمامنا ويقول :)2
من هنا نلاحظ أن السيد حافظ يهتم بحركة الممثلين ويعتبر جسد الممثل لغة رئيسية لمخاطبة الجمهور(وهو يرتعد وهو يعدل السراويل ..يرتعد ..يسقط منه السراويل ..يرفعه بسرعة)3
( يظهر رجال الشرطة ويظهر كرم رئيس الشرطة ..الناس تجري وتختبئ في كل مكان )
كرم : ( يفتح كرم ورق مرسوم في يده ) يا أهالي مصر المحروسة افرحوا وهللوا . رجع
قراقوش .
( لا أحد يظهر ..لا أحد يفرح ...ينظر إلى جنوده )4
فهذه الإشارة الأخيرة تبرز رد فعل الناس لدى علمهم بإطلاق سراح قراقوش، ويلمس الجمهور تذمرهم ورفضهم للخبر دون أن ينطق أحد من الممثلين . وهنا تكمن أهمية التشخيص . والكاتب يعتمد هنا أيضا على التجريب ، سواء من خلال اللجوء إلى المسرح الملحمي بتغيير الأدوار بالنسبة للممثل الواحد ، أم إلى المسرح الاحتفالي بالسعي وراء الاندماج المنفصل الذي ينبه الممثل من خلاله إلى أنه يمثل فقط، ولا ينقل الحقيقة، وفي نفس الآن يتقن دوره إلى درجة التماهي ، فيحقق بذلك الاندماج المنفصل .كما لجأ المؤلف أيضا إلى مسرح القسوة الذي يقوم على الحركة والأصوات والكلمة والألوان والصراخ . وهذا ما تجلى في العديد من الإرشادات المسرحية، ومنها ما أشرنا إليه سابقا . فمسرح القسوة أو المسرح الآرتي يعتبر العرض المسرحي كما جاء في كتاب " المسرح ونظيره " لأنطونين آرتو، عبارة عن لوحة تعبيرية متحركة ، وتجسيدا
للفعل الدرامي الذي يعانق رحابة مكان العرض كلغة مرئية .وفي هذه المسرحية نجد : الصراخ والضرب والضحك الهستيري والبكاء الكاريكاتوري والقتل ...الخ وكل ما يعتمد على الطاقة الجسدية للممثل .

خاتمـــة :
لقد سخر حافظ مسرحه من أجل الاهتمام بالقضايا المصيرية للإنسان . ولأجل ذلك وجدنا في هذه المسرحية مادة غنية على صعيد القضايا المعالجة ، كالظلم والاستبداد والفقر والبطالة والفساد وتعاطي المخدرات، وغير ذلك مما نجده في جميع المجتمعات العربية .
فمسرحية "قراقوش والأراجوز والحرفوش" مسرحية هادفة ، تعكس واقعا عربيا مترديا، وتكشف المسكوت عنه في التاريخ العربي . وهي تمتح من ينابيع متعددة في فن المسرح عامة. فقد اصطبغت بألوان من الاحتفالية والملحمية ومسرح القسوة في تركيب وانسجام تام ، ظهر ذلك في النص من خلال المكونات الفكرية والجمالية سواء من خلال تناوله للوحدات المسرحية الثلاث : الحدث والزمان والمكان ، أم من خلال تشكيله للشخصية أم التيمات المطروحة، ومن خلال نص العرض ، هذا النص الذي أولاه السيد حافظ نفس عنايته بنص التأليف ، حيث تمكن من خلال الكتابة السينوغرافية أن يضفي جمالية وفنية وحيوية على المسرحية ، على مستوى الديكور والفضاء والتشخيص والاكسسوار، وغير ذلك من المكونات السينوغرافية ، ويسبغ عليها ما انتقاه لها على سبيل التجريب من مختلف الاتجاهات المسرحية .

المصادر والمراجع والمجلات المعتمدة
1-السيد حافظ – قراقوش والأراجوز والحرفوش – منشورات اتحاد الكتاب – ومركز الحضارة العربية – الطبعة الأولى القاهرة 2001
2-السيد حافظ-الأشجار تنحني أحيانا ( تسع مسرحيات تجريبية)–مطبعة الفتح–القاهرة 1992
3-د. محمد عزيز نظمي -السيد حافظ بين المسرح التجريبي والمسرح الطليعي – سلسلة رؤيا للدراسات المسرحية - مركز الوطن العربي للنشر والإعلام– 1989
4-د.مصطفى رمضاني– قضايا المسرح الاحتفالي –منشورات اتحاد كتاب العرب-1993
5-عبد الكريم برشيد – حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي –دار الثقافة –الدار البيضاء-الطبعة الأولى 1985
6- بول شاوول – المسرح العربي الحديث ( 1976-1989 ) –رياض الريس للكتب والنشر – لندن –1989 .
7-بيتر بروك –المساحة الفارغة –ترجمة فاروق عبد القادر–سلسلة كتاب الهلال-ع 432 ط 1986 .
8- مجموعة من المؤلفين – المسرح العربي بين النقل والتأصيل – سلسلة كتاب العربي – الكتاب الثامن عشر – يناير 1988.
9- مجلة آفاق – مجلة اتحاد كتاب المغرب –مطبعة دار النجاح الجديدة – الدار البيضاء - ع 3 – 1989
10 – مجلة المدينة –ع 6 – يونيو 1981


















قراءة في مسرحية: ''حرب الملوخية'' للسيد حافظ

عبد السلام بوسنينة
مقدمـة:
نرى أن سمة العصر هي "اختصاص" في مجالات ثقافية مختلفة و متعددة.و فيما يتعلق بالدراسات النقدية، نجدها تنحومنحى الاختصاص، حيث تختلف باختلاف أجناسية الإبداع و المتون، لأن طبيعة الإبداع سردا كان أم شعرا أم مسرحا، يتغيا من الدارس البحث في الأدوات و المناهج الملائمة لأي نوع أدبي أو فني.
انطلاقا من هذا الرأي نود في هذا المقام تناول الظاهرة المسرحية بما يوازيها من تحليل، و ما يقتضيه الاختصاص المنهجي في المسرح من ضوابط. إننا في مقاربتنا للنص المسرحي، سنحاول تطبيق المنهج الذي يحاول أن يدرس المسرحية من زاوية الكتابة الدرامية،و من زاوية الكتابة الإخراجية: إنه التحليل الدراماتورجي الذي ينظر إلى المسرحية " نظرة شمولية تسعى إلى الإحاطة بأهم العناصر السينوغرافية الموجودة في نص الحوار أو نص الإرشادات المسرحية: تحليل يركز على سائر العناصر التي
من شأنها أن تتيح نقل النص من الكتابة الدرامية إلى تصور العرض بتقنياته المختلفة "
سنحاول إذن التشبت قدر المستطاع بهذه الطريقة في التحليل، إيمانا منا بأن الممارسة المسرحية هي جمع بين لغتين، لغة سمعية و أخرى إشارية. بمعنى النص كمنطوق لفظي، و العرض كمنطوق إشاري حركي، و ما يضاف إلى العنصرين معا من عناصر تكون في غالب الأحيان ضرورية لبلورة العملية المسرحية في شكلها التكاملي و النهائي.
إن المسرح اليوم هو تقاطع كل مكوناته، و القراءة الأحادية لمكون دون آخر لاتجدي نفعا،ً لأن النص المسرحي لا يكتب إلا بمقصدية التفعيل على الركح. كما أن مؤلف النص المسرحي حينما يكتب لا يكون تصوره محصوراً فيما يكتب، بل يتسع هذا التصوركلما آمن بأن النص سينتقل بالفعل و القوة إلى متدخلين آخرين من قبيل السينوغرافي و المخرج و الممثل و غيرهم.
لقد وقع اختيارنا على مسرحية "حرب الملوخية" لصاحبها السيد حافظ التي سنقاربها بناء على العناصر التالية : البناء المعماري لنص المسرحية، التناص في المسرحية، الصراع الدرامي ، الفضاء المسرحي، اللغة المسرحية، خصائص السينوغرافيا.
المضامين:
حرب الملوخية هي حرب على الواقع و التاريخ، و كشف لمجموعة من الحقائق التي مسها التزوير و التدليس. هذه الحرب سيختزل المؤلف أطوارها عبر عشر معارك. و كل معركة تمثل مشهدا مسرحيا، تبدأ كل معركة/جولة بدخول فتيات يحملن لوحات كتب عليها عنوان المعركة. و كأن المؤلف بهذا التمهيد يعلن بداية جولة أشبه بمواجهة على حلبة ملاكمة أو مصارعة.
المعركة الأولى تبدأ بسؤال الهوية و الانتماء. فمصر التي طالما اعتبرها المصريون أماً، يراها التاريخ غير ذلك، حيث ألغى أنوثتها، و وقع عن طريق مجموعة من الحقائق على الإسم الحقيقي، و هو أن مصر تحمل دلالة الذكر بشهادة مؤرخين و مؤلفين من أمثال الجوهري و الجاحظ و الهمداني. و من بين القضايا التي كانت مصدر صراع في هذه المعركة، هوية حكام مصر، حيث أتبث التاريخ في مواجهة معارضيه أن مصر لم يحكمها إلا مصري حقيقي واحد و هو "جمال"، الذي جاء ليحكم مصر بعد طوفان نوح، و بعد جده الأول "مصريم". أما الحكام المفترضون، فهم إماأكراد أو إيرانيون أو أتراك .
تنتهي المعركة الأولى ليدخل المخرج معلنا عن بداية المسرحية، مباشرة مع بداية المعركة الثانية، ليتحول الديكور إلى قصر السلطان المستنصر. تبدأ المعركة بتنصيب المستنصر خلفا لأبيه الظاهر بالله، ثم يبدأ الحاضرون في استحضار مناقب الراحل الظاهر بالله، ليقول الوزير في حقه:
"الناس كلها حزينة عليه...كان مفرح الناس و حاسس بيهم..حشيش عطيهم افيون زراعة ليهم..بيوت دعارة سيبها تيلسهم خمارات للفقراء و الأغنياء..الله يرحمه كان مزاجتلي..كان يحافظ على مزاج الشعب."
يعمد المؤلف في هذا المشهد إلى إبراز شخصية المستنصرو هو طفل ميال للهوو اللعب. و في ظل حالته هذه، تتهيأ أمه سكينة لنسج بطانته. وأول الموالين أبو سعد النخاس اليهودي لتقول عنه رغم معارضة عمة المستنصر:" دا مستشار مولانا الخليفة المستنصر بالله". و بعد صراع بين سكينة أم المستنصر و عمته، تحسم سكينة الأمر لصالحها. و بعد إظلام المشهد، يتدخل المخرج محتجاً على مؤلف المسرحية :
" فين المؤلف..إزاي ولد عنده سبع سنين يحكم مصر و الوصي على العرش نخاس يهودي اسمه أبو سعده و أمه زنجية دا كلام حيودينا في داهية ".
و في محاولة لمنع المسرحية، يتدخل الضابط و الرقيب، لكن بعدها يتمكن المخرج من إغراء الرجلين بأكلة الملوخية، و تستمر المسرحية.
تنتهي المعركة الثانية، و تدخل البنات و هن يحملن لافتات المعركة الثالثة بعنوان "تجار مصر سرقوها". وهذه المعركة تؤسس مرحلة هامة من حياة المستنصر الذي بلغ الثلاثين من عمره. و قد وسمت بجفاف النيل و شح الأسواق من الخبز، الأمر الذي سيدفع بالأهالي إلى التظاهر و الاحتجاج، بعدما أكد الخبازون اختفاء الخبز باكراً. يقول خضر :
''خلصنا الخبز، خبز مفيش.. عيش مفيش.. عجين... النهار ده العيش خلص.. بكرة.''
يشتد الصراع لتتدخل الشرطة و تضرب الجماهير: لقد اختفى القمح عن الأسواق نتيجة احتكار التجار له. و لم يعد في مقدور الناس إلا انتظار ساعة ظهوره ليعلن التجار مقابلا خياليا لاقتنائه. فأحداث و وقائع السوق تحرج الحاكم المستنصر، لأن شح السوق من القمح لا يبرره جفاف النيل كما أكدت ذلك ست مصر :
''لا يا مولاي سوء التبرير هو سبب المجاعة و إذا غاب ماء النيل يبقى السبب غياب العدل في مصر.''
المعركة الرابعة عبارة عن رصد لوقائع غريبة تعرفها الأسواق. فندرة اللحومو اختفاؤها يدفع بالتجار إلى تسويق بديل آخر يكمن في بيع الكلاب و القطط. و قد ابتدع هؤلاء التجار كل الأساليب المقنعة لجلب الزبائن قصد استهلاك هذه اللحوم و طهيها مخلوطة بالملوخية. لقد ضاق ذرع السكان فأقبلوا على الاستهلاك، حتى أنهم اضطروا لبيع أبنائهم لضمان حفنة قمح و رطل من لحم الكلاب. يقول حاجب الخليفة :
''كل ما تمشي في السوق تلقى الناس ماشية تبيع أولادها و بناتها علشان القمح.''
أما داخل القصر، فيستمر الخلاف حول استصدار أمر بشأن ترخيص لبيع الحشيش باعتباره و سيلة للتخدير و القضاء على الأفكارالهادفة.
يتصدر المعركة الخامسة سؤال (مين يشتري مصر؟) حيث يستمر الصراع، و الخلاف عن أسباب اختفاء الخبز. فبعد ما تمرد الناس ثانية، تتدخل الشرطة لتقمع الجماهير و تسكت أصواتهم.وبعدها يتدخل الوزير في شكل حوار مع الجماهير، مقنعا إياها بحل المشكل. و يعمد إلى ممارسة الضغط على عريف الخبازين قصد تخفيض الثمن و فتح الدكان. ورغم الخسارة وعدم إشراك تجار القمح في الحل، رضخ العريف للأمر الواقع، و فتح أبواب دكانه، لتكون أميمة الزبونة الأولى المستفيدة من حل غير عادل.
في المعركة السادسة تتواصل المظاهرات بسوق الخبازين. و في القصر يحتد الصراع حول دواعي هذه الاحتجاجات و كيفية معالجتها. فالحاكم المستنصر لا يخرج عن منطق التجار لتبرير اختفاء الخبز، معتبرا شح النيل هو سبب شح الأسواق، و أنه مصيب في سياسته بإقراره حرية التجارة. ليؤكد نجاعة رأيه. يقول مخاطبا ست مصر: إننا في زمن جديد.. زمن حرية التجارة العالمية. ولترد عليه ست مصر قائلة :
''أننا في زمن رديء.. أن يتحكم ألف تاجر في ملايين البشر.''
و بوقاحة الحاكم غير العادل، يجهر المستنصر بكراهيته لشعب مصر، معتبرا نفسه العاقل الوحيد في تاريخ الفاطميين بين حكام مصر.
المعركة السابعة ترصد الصراع بين رموز الفساد في مصر، و بين أبي زيد القادم من تونس في مهمة تجارية. لم يكن أبو زيد يتوقع اتهامه بالتجسس رفقة صاحبه دياب. كمالم يكن يتوقع محاولات استقطابه لخدمة رموز العار في عهد الحاكم المستنصر. فرغم إلحاح سكينة أم الخليفة العاشقة المتهورة، واجهها أبو زيد بحزم الفارس الذي لا ينبطح لإغراءات النساء مهما كان مركزهن.
تقول سكينة راغبة في مودة أبي زيد : أنا أقدر اطلعك ... بس على شرط
أبو زيد : ايش هو الشرط ؟
سكينة : تتجوزني و أهرب معك.
والإغراء نفسه تقدمه بائعة الهوى " أم بوسة ". لكن أبو زيد يرفض مكرها خداعها. فهو يتطلع إلى الحرية دون إساءة أو تلطيخ لشرفه وسمعته، ليواصل بعد ذلك صموده أمام أمير الحشاشين الذي رغب في استغلاله و خدمته مقابل مساعدته على الهرب.
ينتهي المشهد السابع بقبول أبي زيد حلا يقترحه عليه شهاب -مقابل حريته- و ما هذا الحل غير مزاولة عمل دفن الأموات.
أبو زيد سيخوض المعركة الثامنة المليئة بالمفاجآت :
الصدمة الأولى : دفن الموتى دون اغتسال
الصدمة الثانية : الانتقال من أكل الحيوانات إلى أكل لحم الآدميين.
و أمام هول و روع ما شاهده أبو زيد، بمعية رفيقه دياب سيقبل على الفرار تاركا خلفه مأساة تعتبر استثناءً في تاريخ الشعوب.
يتوزع سوق الخبازين و قصر المستنصر فضاء المعركة التاسعة، فيعمد فرحان إلى تخفيض ثمن الخبز، الشيئ الذي أزعج باقي الخبازين، ففارت ثائرتهم، و اعتبروا الأمر إخلالا بضوابط السوق و قوانينه،وأن تخفيض ثمن الخبز هو تلاعب بالأسعار. و هو في النهاية مصدر خسارة كبرى لباقي الخبازين.
وسيحظى الخلاف بين فرحان الخباز و عريف الخبازين خضر باهتمام المستنصر وحاشيته. و سيكون هذا الاحتكام إنصافاً لفرحان و للزبائن، إذ سيلجأ فرحان إلى المحافظة على الثمن المُسَعَّر من لدن عريف الخبازين، و الزيادة في وزنه، الشيئ الذي سيرفع من عدد المقبلين عليه. كما سيدفع باقي الخبازين إلى الدخول في المنافسة بالزيادة في أوزان مبيعاتهم.
كانت المعركة العاشرة بمثابة أم المعارك. فالتسيب الذي عرفته أسواق الخبزأدى بالأهالي و السكان إلى إعلان تذمرهم، و سخطهم على الحاكمين. وكانت النساء مصدر هذا التمرد. و هو في الأصل تمرد مزدوج: تمرد على الرجال و على سكوتهم. و هو أيضا تمرد على التجار و من يحميهم من الحكام. وقد عبرت النساء عبرن عن موقفهن هذا من خلال أغانيهن: "يغنون لما الرجالة نامت ستات مصر قامت.. و لما الرجالة سكتت ستات مصر قالت"
(وتنتهي المعارك بمعاقبة التجار، و عودة الخبز إلى الأسواق)
البناء المعماري
تتضمن مسرحية حرب الملوخية عشرة مشاهد، نعرض عناوينها كما يلي:
مصر مصر أبونا
جتها نيله اللي عايزة خلف
تجار مصر سرقوها
تشتري كلب
مين يشتري مصر ؟
الزمن الرديء
بني آدم يوم طالع و يوم نازل
أبو زيد حانوتي يا رجالة
المصري الجدع
تجار مصر سرقوها و خانوها ثاني و ثالث و رابع.
إن المعاينة لهذا الترتيب على مستوى مضامين كل مشهد من المشاهد، يجعلنا نقر بداية أنه ترتيب يخضع لمنطق صراع تصاعدي من مشهد لأخر، لأن هذه المعارك -حتى و إن انتهت في المشاهد التسعة لصالح الأقوياء، فإن المشهد العاشر سيكون حاسماً، إذ تنقلب الكفة لصالح المستضعفين بإحقاق الحق لأصحابه، و باللعنة على الأزمنة الرديئة التي عرفها المجتمع المصري طيلة قرون اتسمت بالظلم و التجويع.
إن أهم ما يستوقفنا و نحن نساير أحداث هذه المسرحية هو العدد عشرة. فالأمر قد يبدو منطقيا إذا اعتبرنا الحرب بدلالتها العامة عبارة عن مجموعة معارك. و كل معركة هي مرحلة من مراحل الحرب. قد تكون قصيرة، فتقل معاركها. و قد تكون طويلة فتزداد.
إن الحرب التي صورها المؤلف كانت طويلة، انسجاما مع مرحلة تاريخية عرفت فيها مصر صراعا بين مجتمع غارق في وحل الاستعباد و المجاعة، و بين حكام استبدوا و عاثوا في البلاد فساداً طال أمده. إذن فتحديد العدد في عشرة يعود بالأساس إلى طول أمد الحرب. أما المسوغ الثاني الذي يكون قد أوحى للمؤلف باختيار هذا العدد، فهو ما كون رؤيته في معارك تعد نبيلة،و تنعت إما مبارزة وإما ملاكمة وإما مصارعة. و غالباً ما تحدد بالجولات بدل المعارك.و الأمر الذي يؤكد فكرة انتقال الحقل الدلالي لكلمة جولة إلى كلمة معركة، هو ما عمد إليه المؤلف حينما أقحم على رأس كل مشهد مجموعة فتيات في زي رياضي، يحملن لافتات إيذاناً ببداية المعركة و عددها. و هذا مألوف في حلبات الرياضة النبيلة، التي غالبا ما تكون فيها الجولة العاشرة حاسمة بالضربة القاضية. و هي الضربة القاضية نفسها التي عرفتها نهاية أحداث المسرحية.
أكدنا في البداية أن أحداث المسرحية كانت محكومة بالتسلسل ومنطق الصراع التصاعدي من مشهد لآخر. والسيد حافظ لم يعتمد التقسيم الكلاسيكي لأطوار المسرحية، إذ ألغى العناوين التقليدية على غرار الفصول أو المشاهد أو اللوحات. لقد كان مباشرا في اختياره و تصنيفه لكل طور من أطوار المسرحية. فالمعارك أضحت بديلا للتصنيفات المعروفة. و لتمييز كل معركة عن الأخرى، سعى المؤلف إلى وضع عنوان مواز لكل معركة؛ بالإضافة إلى الترتيب الرقمي أو العددي لهذه المشاهد. وكانت الحدة تزداد كلما ازدادت المعارك، لأن الهاجس الذي سكن المؤلف هو إبراز تجربة الشعوب التاريخية من أجل تحقيق الانعتاق و الكرامة.
التناص في المسرحية
لقد كان التاريخ هو الإطار العام الذي سعى من خلاله المؤلف إلى تسييج نصه المسرحي، إذ انطلق من الموثق التاريخي قصد التوظيف تارة، و النبش في حقائق أغفلها التاريخ أو تم تدليسها تارة أخرى. و لعل حضور التاريخ بصفته شخصية من شخوص المسرحية خير شاهد على إثبات الحقائق و نفي الزائف منها. و لعل موقفه من ذكورية مصر أحسن دليل على أن التاريخ لم يكن دائماً يعكس حقيقة ما وقع في الماضي. وسندرك ذلك من خلال الحوار التالي :
المعارض : اسم مصر مؤنث و مش مذكر أنا متأكد ..
التاريخ : 'يفتح كتابا و الجوهري في كتاب الصحاح.. مصر اسم مذكر - و دا كتاب 'يفتح كتابا آخر' الجاحظ اسم مصر اسم مذكر.. و دا الهمداني 'يفتح كتابا آخر' مصر اسم أعجمي..و هي نسبة إلى مصر بن بنصر بن حام و هو مصريم...
فما سبق يؤكد حرص الكاتب على توظيف التاريخ مرتين :
1. التاريخ كأحداث و وقائع، وتم إبرازها من خلال توظيف شخصية المستنصر الفاطمي الذي حكم مصر في فترة من الفترات التاريخية، و ما عرفته هذه المرحلة من فساد سياسي انعكس سلباً على المجتمع المصري. ثم التاريخ كشخصية من شخوص المسرحية، يسعى للقيام بدور المراقبة الذاتية.
2. التاريخ كشخصية. و يهدف إلى تنبيه الجمهور للتاريخ يمكن أن يتعرض للزيف حتى في وقتنا الحاضر من لدن أقلام و مؤلفين مأجورين. كما أن شخصية المستنصر التاريخية تجمع بين تجليات الماضي و الحاضر في ممارسة الحكم و السلطة.فالحاكم العربي حاكم مستنسخ من الماضي، لأن أحداث اليوم لا تختلف عن أحداث الأمس. والمؤلف تأسيسا على هذه المزاوجة يحقق لنصه المسرحي و لو ذهنيا تناصا بين تجاوزات الماضي و الحاضر الراهن
الصراع الدرامي:
إن الصراع الدرامي كما بينته مجموعة من الدراسات يأخد صوراً و أشكالاً مختلفة. فقد ينزع إلى الذاتي،و الأمر هنا ينطوي على مجموعة من العوامل السيكولوجية المتفاعلة. وقد ينزع إلىالخارجي .و يمكن تقسيمه كما يلي :
العمودي/الميتافيزيقي الذي سجل حضوره بكثافة في المسرح اليوناني. و هذا النوع تحكمه علاقة الفرد بالسماء، كالإلاه أو القدر.
. الأفقي وهو الذي يواجه فيه الفرد "قوانين المجموعة و الكيان الاجتماعي المفروض". و هذا النوع من الصراع هو الذي تحكم في طبيعة العلاقة في مسرحية "حرب الملوخية". فالصراع كان واضحاً بين فئتين متناقضتين : فئة الحاكم و حاشيته من وزراء و تجار محتكرين و أمراء فساد الأمة. و فئة عامة الناس التي تتطلع إلى لقمة عيش، و تبحث عن الخبز الذي اختفى من السوق. إن الصراع اجتماعي بالأساس. فكبار التجار احتكروا منتوج القمح بإخفائه، و تحكموا في أثمنته. و طبقة الحكام باركت نزواتهم التجارية بتقمص أدوارهم في تبرير أسباب ندرة القمح، و اعتبار الكارثة طبيعية مصدرها شح النيل، و جفاف الطبيعية،و أن الأمر لا يقتصر على مصر، بل إن الأزمة عالمية :
الرجـــــــــــل1 : القمح بقى أغلى من الذهب يا مولاي الوزير،
الوزير اليازوري : مشكلة القمح مشكلة عالمية..مش مشكلة مصر لوحدها.
رجــــــــــــــــل2 : القمح اختفى يا وزير،
اليــــــــــازوري : لا القمح موجود،
رجــــــــــــــل3 : أيوه بس سعره زاد ثلاثين مرة.
إن الصراع كما أكدنا هو صراع اجتماعي، طرفا النزاع فيه : مجتمع يعاني الجوع،و فئة التجار و الحكام التي أتقنت أسلوب المراوغة و الكذب لخداع المجتمع.
الفضاء المسرحي
نتعامل مع الفضاء المسرحي على أساس أنه يتضمن "بنيتي الزمان و المكان". ففيما يخص الزمن،فإن المرجعية التاريخية ساهمت بقدر كبير في صياغة موضوع المسرحية. بل كانت أساساً انطلق منها المؤلف لبناء أحداث النص المسرحي و بلورة أفكاره. إن المؤلف لم يكن يسعى لإخبارنا بأحداث تاريخية ما دامت الأحداث التاريخية هي من اختصاص المؤرخ. بل كانت غايته من توظيف الأحداث التاريخية -التي لازمت مرحلة حكم المستنصر الحاكم الفاطمي في مصر-، هي رصد لوقائع، و إسقاط تاريخي للفساد السياسي الذي أضحى قاعدة، و ليس استثناء في حياة الشعوب العربية و حكامها.فالمؤلف و هو يستحضر مرحلة قاتمة من تاريخ الشعب المصري، إنما يسعى إلى تمرير خطابات تخص الراهن الاجتماعي و السياسي الذي تعرفه الشعوب العربية برمتها، و بخاصة ما يتعلق بحرية الشعوب و حقها في الكرامة و الديمقراطية.و نلمس ذلك بوضوع في الحوار التالي :
المستنصر : (يدخل) كفاية بقى عراك ما شبعتوش عراك عشرين سنة،
ست مصر : سمعت عن المظاهرات..يا مولاي...مظاهرات في سوق الخبازين،
المستنصر: سمعت يا عمتي سمعت،
سكيــــــة: و نزلت العسكر تضرب الناس علشان تفض المظاهرات فيها ايه،
ست مصر:الناس جيعانة و تنضرب كمان يا سكينة..يا سكينة شعب مصر مش عبيد عند الناس .
فبالإضافة إلى الزمنالأساسي في المسرحية،هناك أزمنة يمكن اعتبارها ثانوية. و هي أزمنة ارتبطت بأحداث النص .فمنها ما ارتبط بالليل، و منها ما ارتبط بالنهار. و قد عمد المؤلف إلى تحديدها ببعض الرموز الدالة.
الفضاء المكاني. و توزع بين عام و خاص. فالعام هو مصر أو القاهرة. لقد ارتبطت الأحداث بحاكم عرفه التاريخ المصري في بلاد مصر. أما الأمكنة الخاصة، فيمكن تقسيمها إلى مكانين أساسيين كانا مجرى أحداث المسرحية : قصر المستنصر، و سوق الخبازين الذي كان في الغالب مصدر صراع و اضطرابات اجتماعية. يقول المؤلف في تمهيده للمعركة الثانية :
(يتحول الديكور إلى قصر السلطان المستنصر..الديوان.)
و يقول منبهاً إلى تغيير في الديكور:
(يتغير الديكور إلى حي الخبازين..محلات متجاورة و دكان مغلق كتب عليه خان مشتاق..دكان كتب غليه خضر عريف الخبازين.)
لقد تحكم العامل السينوغرافي في الانتقال من مكان إلى آخر، بتغيير التأثيث و توزيع الإنارة. و أهم ما يمكن ملاحظته على " المكان " هو تعدده. و هذا مؤشر على وعي المؤلف بالتنظيرات التي تجاوزت التصور الأرسطي الداعي إلى وحدة المكان
اللغة المسرحية:
تعتبر اللغة من بين أهم عناصر التواصل في العمل المسرحي. وهنا سنركز على لغة النص تفاديا للحديث عن لغات أخرى قد نكتشفها بعد تفعيل النص المسرحي رُكْحِياً: أي بعد انتقاله إلى العرض، لأن عناصر التعبير في العرض تختلف عنه في النص. فهناك التعبير الملفوظ لغة،و التعبير الإيمائي الذي تجسده الملامح،إضافة إلى لغة الجسد التي لا تقل أهمية عن اللغات الأخرى وهكذا.. إذن تركيزنا على النص سيجعلنا نركز على الملفوظ اللغوي الذي اعتمده المؤلف في مسرحية "حرب الملوخية".
إن لغة النص في مجملها هي العامية المصرية. و لا نقصد باللغة، ما هو مكتوب في النص، لأن المكتوب قد يقرأ في بعض الأحيان فصيحا. و هذا ما لمسناه من خلال مجموعة من المقاطع الحوارية. و لكن الأمر قد يختلف حين ننتقل بهذا المكتوب الفصيح إلى ملفوظ عامي مصري، تحكمه مخارج الحروف و الحركات الوسطية أو النهائية .و كنموذج على ذلك، نورد بعض المقاطع الواردة في النص :
* المستنصر : (مقاطعا) كل الناس تمدحني و تمدح عصري.. اسألي كتب التاريخ
* ست مصر : كتاب أجرتهم يكتبون ما تهوى و يمنعون ما يغضبك.
كان الغرض من اعتماد العامية المصرية في هذا النص،هو تقريب الشخوص إلى الجمهور المصري، إضافة إلى تحقيق تواصل واسع مع هذا الجمهور بمختلف فئاته و مستوياته. فاعتماد المؤلف العامية لا ينفي العمق الفكري في النص، لأن التعامل مع النص من حيث اللغة يختلف من متلق إلى آخر، كل حسب العوامل الثقافية و الإدراكية التي تميزه، و التأويل الذي يمكن أن يصل إليه.
السينوغرافيا:
بداية لا ندعي أننا سوف نحقق إلماماً كلياً بالجانب السينوغرافي في هذا العمل، رغم الدعم الذي قدمه لنا المؤلف عَبْرَ إرشاداته المسرحية . فالإلمام بالجانب السينوغرافي يقتضيه الانتقال من النص الأدبي إلى نص يتحول عرضا . لذا نجد أنفسنا مضطرين إلى ركوب فكرة التوقع بدل اليقين. و نؤكد في سياق هذه التوطئة أننا نعرض هنا لعينات من التصور السينوغرافي، و لا ندعي أننا نتناولها في كل تجلياتها.
إن النص الذي نحن بصدده لم يكتب بمقصدية القراءة فقط، بل كُتب لِمَسْرَحَتِهِ وتفعيله إلى عرض قابل للمشاهدة. و دليلنا في ذلك هو حضور مجموعة من الإرشادات المسرحية التي تفيدنا في بلورة تصور للجانب السينوغرافي في هذا العمل. لقد وجهنا المؤلف منذ البداية ببعض مقترحاته التي من خلالها يمكننا وضع تمهيد للعرض المسرحي.
يرشدنا المؤلف قائلاً :
(تظهرعلىالمسرح شاشة تلفزيونية كبيرة) (موسيقى نشرة الأخبار) (في حالة عدم وجود شاشة تظهر مُذيعة "ممثلة" في إطار خشبي).
هكذا إذن نتلمس الجانب السينوغرافي منذ البداية. فالمؤلف انطلاقاً من هذا التوجيه يجعلنا نتوقع،أهم المكونات السينوغرافية التي تخص المشهد الأول ،سواء تعلق الأمر بالصوت أم الموسيقى أم الإنارة التي نتوقعها دائريةو موجهة، إضافة إلى التأثيث الذي هو عبارة عن شاشة تلفزيونية كبيرة أو إطار خشبي.
إذن الصوت هو صوت امرأة يعتمد طريقة إلقاء تحددها طبيعة الإلقاء الإذاعى.و الموسيقى لا تخرج عمَّا يلزم النشرات الإخبارية. أمَّا الإنارة فنتوقعها كما أسلفنا مركزة على الشاشة أو الإطار.وهي غالبا ما يتوسطا الخشبة. أما باقي المواقع على الخشبة فسيغمرها الإظلام.
ومن بين الإرشادات الأخرى التي لا تخلو من أهمية على المستوى السينوغرافي، حديث المؤلف عن تغيير في الديكور :
(يتحول الديكور إلى قصر السلطان المستنصر.. الديوان).
وهنا سنركز على كلمة ''يتحول'' التي تعني بالأساس وقوع تغير و انتقال من مشهد إلى آخر. و تُفضي كلمة ''يتحول'' أيضا إلى أمرين اثنين: الأول يكون إظلاما سبق المشهد، أوإغلاقا للستار قبل تغيير الديكور. و في الحالتين معا تتاح الفرصة للمخرج و الممثلين للتصرف في هذا الفضاء.
إن التحولات السينوغرافية في هذا العمل لم تكن معقدة، لأن المؤلف عمد في أكثر من مقام إلى بعض الاختيارات التي تسهل على المخرج ضبط كل الجوانب السينوغرافية المعتمدة. فالكورال مثلا يعتبر من المداخل المهمة لبعض المشاهد. و حضوره يقتضي الحضور السينوغرافي، لأن الاستعراض الغنائي الراقص يحتاج إلى مؤثرات جمالية إضافية كالإيقاع الموسيقي و الإنارة المناسبة.
ويمكن كذلك تقسيم الإرشادات المسرحية المرتبطة بالجانب السينوغرافية في مسرحية ''حرب الملوخية'' إلى نوعين :
1. نوع اتسع حجمه و تصدر في الغالب بداية كل مشهد أو معركة و قد سعى المؤلف من خلاله إلى تأطير المشهد على مستوى الإنارة و التأثيث، يقول :
يفتح الستار أو تضيء الأنوار و تدخل الفتيات تحملن في أيديهن لوحات كتب عليها ''المعركة العاشرة ...' و لوحات كتب عليها عنوان ''تجار مصر سرقوها ثاني و ثالث و رابع''
ديكور ساحة المدينة : ستار بيضاء في الخلفي .. و يقف التجار الثلاثة برهومة و الشو و سنارة.. و يدخل منادي المزاد، و يقف عامة الناس يحملون في أيديهم صكوك تثبت ملكيتهم لبيوتهم و أراضيهم
2. و هناك نوع ثان من الإرشادات. و يمكن اعتباره جزئيا. و غالبا ما تخلل بعض الحوارات داخل المشهد الواحد. و من ذلك قول المخرج :
"يالا يا ابني انت وهو" (ضوء و عمال و استعراض.
كل هذه المؤشرات الجمالية تترجم إلى حد معين ولع الكاتب بالبعد المشهدي للنص الذي كتبه. إنه يمارس عملية اختراق اللغة باللغة ليؤسس المشهدومن ثم يقحم القارئ في عملية تلق جمالية لا فكرية محددة فقط .
خلاصــــــة
تعتبر مسرحية "حرب الملوخية" من بين الأعمال التي تعتبر رائدة و جريئة. و هي تفصح عن الموقع الذي يحتله السيد حافظ في مجال المسرح تنظيراً و إبداعاً. و نحن بتحليلنا لبعض جوانب هذه المسرحية لا ندعي المقاربة الشاملة لها، لأن ثراء هذا النص يستدعي مزيداً من البحث و التحليل.و لقد فضلنا تفادي المجازفة بتحليل كل مكوناتها. و لكننا بالمقابل نؤكد أن قراءة نصوص السيد حافظ لا بد و أن تتم في سياق مقاربة شاملة .
إن قراءة نص واحد من جملة مجموعة من النصوص هي عملية بتر غير ممنهج للتجربة الإبداعية عند هذا الكاتب.و عذرنا في هذا أننا عملنا بالأساس على استجلاء بعض مكونات الخطاب المسرحي. ويبقى النص بحاجة إلى الكثير من الإضاءات النقدية نظرا لما يتوفر عليه من غنى و إيحاء .





"رؤية لمقاربة النص المسرحي" وسام من الرئيس "

للسيد حافظ





سعاد دريـــر

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيدنا محمد خاتم النبيئين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
وبعد
على سبيل المقدمة
منذ أن هل علينا Alfred Jarry ألفريد جاري بثلاثيته المتميزة : [ أبو فوق التل/ أبو عبدا / أبو ملكا ] – حيث كسر بها مرآة التقليد ، وجعلها منشأ بكتيريا التجريب – والتجارب تتكاثر، بعضها يعقب بعضا ، إلى أن وصلت حمى التجريب إلى عالمنا العربي ، فبدأت ترن على أسماعنا بين الفينة والأخرى أسماء جديدة ، سرعان ما ألفنا سماعها جيلا بعد جيل ، لم تسلم هي الأخرى من عدوى التجريب . وفي مقدمة هذه الأسماء ، يبرز اسم السيد حافظ" ،رائد التجريب المسرحي في الوطن العربي " ،ساطعا في سماء المسرح العربي ، والمصري على وجه التحديد .
فهذا المبدع المسرحي المتميز ،- سليل المدرسة الألفريدية*- ، ساهم بقسط وافر في محاولة تأصيل المسرح العربي ، باعتباره " أحد الدراميين العرب الذين جعلوا التجريب وسيلة لتحقيق الخطاب المسرحي العربي الأصيل " .
وينطلق هذا التجريب من العناوين المثيرة التي اختارها لمسرحياته الفريدة من نوعها ، من قبيل :
"كبرياء التفاهة في بلاد اللا معنى"
" حدث كما حدث ولكن لم يحدث أي حدث" ... وهلم جرا
فهذا التجريب لم يقصد من ورائه مؤلفنا إلا تحرير الإبداع وتصحيحه ، ذلك بأنه" يملك رؤيا يتصدى بها لقضايا الواقع من جهة ، ويسعى إلى التحرر من قيود الأشكال القمعية من جهة ثانية "
من هنا، لطالما راق لي أن أسمي هذا المبدع المتوهج بعشق المسرح ب: " السيد العبقري "، لماذا؟ لأنه يجمع في شخصيته بين روح الإنسان الحساس ، الشديد العناية بتصوير الحالات النفسية– إذ يعكسها في مسرحياته بحذافيرها ، محللا إياها ، متعمقا .. غير راض بالوقوف عند الدلالات السطحية ، وبين روح المبدع المسرحي الذي يتنفس المسرح ، ويننتعش به، جاريا في عروقه .. الواسع الاطلاع ، المنفتح على التجارب العالمية ، وعلى خبرات أصحابها ، المهووس بالتجريب الذي أولاه اهتماما خاصا في مسرحه "، فكادت كل مسرحية أن تكون تجربة تجريبية جديدة " ، ولا زالت رحلته في سفينة التجريب متواصلة ، مستمرة ، من أجل الارتقاء بالمسرح إلى أسمى درجات الانفتاح والاستعلاء ..وإنقاذه من براثين الجهل والتهميش .. وأنياب الانغلاق والإسفاف ...
هكذا ، وجدتني أقف عند نص من نصوصه ، وكلي شغف به ، وشوق إلى كشف قضاياه ، واستنطاق أبعاده... فكانت لي هذه المقاربة المتواضعة التي تروم دراسته في بعده النصي أو الأدبي ، من خلال تطبيق بعض آليات قراءة النصوص المسرحية .
والنص المسرحي – قيد الدراسة – عبارة عن مسرحية كوميدية ،وسمها المؤلف ب: " وسام من الرئيس ". وقد صدر في كتاب أنيق ، متوسط الحجم ، عن العربي للنشر والتوزيع بالقاهرة ، في طبعته الأولى [ 1997]، وقد بلغ عدد صفحاته خمسا وسبعين صفحة .
أما عن معمارية المسرحية ، فأسجل تكونها من فصلين ، على أن المؤلف لم يسم الفصل الأول باسمه ، وإنما بدأه مباشرة بالمشهد الأول ، ثم عقبه بمشهد ثان ، في حين جاء الفصل الثاني خاليا من التحديدات المشهدية .
فعم تتحدث هذه المسرحية ؟ من هم أبطالها ؟ أين ومتى وكيف وقعت أحداثها ؟ ما التيمات التي تعالجها ؟ كيف تصور صاحبها العملية الإخراجية لها ؟ هل يمكن الحديث عن جماليات المسرح المصري انطلاقا منها كنموذج؟..
تلك بعض الأسئلة الملحاحة التي اعتبرتها مفاتيح تتيح الدخول إلى رياض السيد حافظ.. التي لا يمكن أن تغلق إلا في وجه لئيم، لا يميز بين النبات الطيب والنبات الخبيث .. إذن ماذا سأرى ؟وماذا سأسمع ؟وماذا سأشم ؟ وماذا سألمس ؟ وماذا سأتذوق هذه المرة ،وفي هذا الحقل بالضبط ؟.. "رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني " *
النص الموازي :
إن أية مقاربة للنص – مهما كان جنسه – تستدعي الوقوف أولا عند نصه الموازي : Paratexte، أي " ما يحيط بالكتاب من سياج أولي وعتبات بصرية " ، يندرج ضمنها كل من العنوان ، والتعيين الجنسي ، واسم الكاتب ، والصورة أو اللوحة التشكيلية ، والإهداء والمقدمة ، والاستجوابات ،والتعليقات ، والنصوص المثبتة على ظهر الغلاف .. وكل ما يحفز على الدخول إلى عالم الكتاب .
وهنا نتساءل : ما العتبات التي اتكأ عليها السيد حافظ تمهيدا لولوج بواطن مسرحيته ؟
1-1 – العنوان
لا مجال لتجاهل الدور الكبير الذي يضطلع به العنوان في إطار تلخيص النص وتكثيف دلالاته، على أن " العنوان لا يحكي النص ، بل على العكس ، إنه يمظهر ويعلن نية ( قصدية ) النص" ونظرا لكونه علامة ، فهو يحيل على مجموعة من العلامات التي تحدد له جملة من الوظائف يمكن حصرها في ثلاث ، تكمن في كونه يحدد النص ، ويكشف محتواه ويمارس إغراءه على القارئ بقراءته.
عودة إلى عنوان نصنا " وسام من الرئيس "، نجد أنه جاء على شكل جملة مركبة من ثلاث كلمات : [ وسام ] – [ من ] – [ الرئيس ] : اسمين تربط بينهما علاقة جر .
وســـام مبتــدأ
مــــن حرف جر
الرئيــس اسم مجرور
وشبه الجملة من الجار والمجرور [ من الرئيس ] في محل رفع ، خبر المبتدإ .هذا من جهة . ومن جهة أخرى ، لابد من التريث عند مدلول الاسمين .
وسام : لغة ، مشتق من[ وسم ] ، نقول : وسمه وسما وسمة ، " والسمة والوسام : ما وسم به البعير من ضروب الصور " . الوسام هو كل أثر أو علامة يوسم بها ، دليلا على الحسن .. وقد ينحى المعنى منحى آخر ، فيصبح الوسام مكافأة أو تقديرا رمزيا لجهد مبذول وهو المعنى الذي يصح في حال نصنا هذا .
وهذا يجعلنا نتساءل : من أين يستمد الوسام ؟ ومن الذي بإمكانه أن يقدمه ، أو يمنحه كعربون محبة وتقدير ؟ أيكون هو من يملك نفوذا قويا وسلطة عليا ..إلخ؟ بلى ، هو كذلك ، و سيقوم الشق الموالي من العنوان بإثبات هذا الأمر وتأكيده .
الرئيس : مشتق من [ رأس ] – [ يرأس ] – [ رئاسة ] . " الرئيس سيد القوم ، والجمع رؤساء ، وهو الرأس أيضا ، ويقال ريس ، مثل قيم ، بمعنى رئيس " . ويضرب المثل للقوم في سوء المصير فيقال : " صاروا أذنابا بعد أن كانوا رؤوسا " .
من هذا المنطلق ، يتضح أن الوسام لا يمكن أن يمنحه إلا رئيس أو وزير أو مسؤول كبير. لهذا، نجد أن جملتنا جملة منطقية ، لا غرابة فيها ولا غموض . إنها جملة خبرية ، لا تروم إلا الإخبار . وهي تصرح لنا بمصدر الوسام . كما أنها – اعتباطيا – توجز لنا حكاية المسرحية . فهلم لنقل : إنها – ببساطة – تعلن قصدية النص ،ولننظر توا في خطاب العنوان :
فهناك موضوع : [ وسام ]
وهنالك مرسل : [ الرئيس ]
فالعنوان قام بتحديد موضوع الرسالة ، وهوية المرسل . ولكنه أغفل المرسل إليه، الذي ليس إلا [ فاضلا ] : البطل الرئيسي .. ولسوف يحاول التحليق بجناح مكسور في سماء المسرحية .. ولا يسعفنا في معرفة هويته إلا دأب البحث بالقراءة والتدبر .
موضوع الرسالة
مرسل مرسل إليه
الرئيس ( محذوف ، تقديره فاضل )
وسام
2 -1- التعيين الجنسي
لقد ذيل المؤلف عنوان مسرحيته العريض – الذي شغل رأس صفحة الغلاف – بعنوان فرعي ، عين فيه جنس النص ، ألا وهو أنه " مسرحية " .ثم في نفس التعيين ، عين نوع هذا الجنس ، ألا وهو الكوميديا ، بمعنى أننا إزاء " تعيين داخل التعيين " . وفي هذا الصدد ، تجدر الإشارة إلى أن السيد حافظ بإشارته هاته إلى جنس المسرحية ، جنبنا السقوط في الاختلاف حول تصنيف عمله ، منذ النظرة الأولى إلى غلافه ، وهو الإشكال الذي تثيره أعمال أدبية كثيرة ، لغياب مسألة " التطهير الأجناسي " . فكثيرا ما يظل القارئ حائرا في تصنيف العمل ، رغم قراءته ، لجهله بجنسه ، وهو الأمر الذي يحدث مثلا مع النصوص السردية ل [ سليم بركات ] ، لخلوها من ميثاق العنونة الذي يحدد جنسها ، على اعتبار أن " هذه الإشارات الأجناسية لها وظيفة ميتانصية – Métatextuelle ، تتوخى توجيه فعل القراءة ، وتسمح للقارئ بتلقي النص انطلاقا من أفق انتظاره الأجناسي " .
3-1 – المؤلف / الكاتب المسرحي:
وقد جاء اسمه متموقعا أسفل العنوان وتحديد الجنس الأدبي . وإذا كان السيد حافظ غنياعن التعريف في الوسط المسرحي ، فلا بأس من بعض الإشارات المقتضبة ..فإن الذكرى تنفع - بصفة خاصة- المومنين، كما تنفع المسرحيين ، وتنفع بصفة عامة كل الفنانين و الباحثين ...
ولد السيد حافظ عام 1948 بمصر ، والإسكندرية مسقط رأسه .
تخرج من جامعة الإسكندرية ، نال سنة 1975ديبلوم علم النفس والتربية .
حصل على جوائز أولى في مجال التأليف .
شغل منصب محرر / رئيس تحرير بأكثر من مجلة .
كتب مسرحيات للكبار ، مثل : [ ظهور واختفاء أبي ذر الغفاري ] ، [ حبيبتي أميرة السينما ]، [ حكاية الفلاح عبد المطيع ] ..
كما خص مسرح الطفل بلائحة طويلة من إبداعاته ، مثل : [ سندس ] ، [ سندريلا ] ، [علي بابا ] .. وقد عرض أكثرها .
قدم للإذاعة مجموعة من المسلسلات ، كما ترك بصماته قي مجال الكتابة للسينما .
عمل مراسلا لأكثر من جريدة ومجلة ، وشارك في عدة مهرجانات ثقافية مسرحية ..
4-1- لوحة الغلاف التشكيلية :
تعكس اللوحة الكاريكاتورية – التي تشغل أكثر من نصف مساحة الغلاف السفلية – عسكريا ، يلفه الغموض والغرابة والفوضى .. ذلك بأن جل ملامحه توحي بالعبث أو الجنون .. فهو يجلس على حقيبة أو ما شابه ذلك ، لابسا بدلة عسكرية رمادية ، حافي القدمين ، و تبدو فردتا حذائه الرمادي ملقاتين ،ربما دليلا على تعبه وشقائه.. وعلى ركبته اليمنى يضع قبعته التي يحكم شدها بيده اليمنى ، وكأنها ستطير .. في حين اكتفى بإدخال يده اليسرى في جيب السروال الأيسر . وعلى الجانب الأيسر من قميصه ، علق شيء كبير أخاله وساما ، موقع بعلامة [ PEPSE ]، مما يجعل اللوحة لغة موازية تختزل دلالات النص ، وهو ما تؤكده باقي مكونات اللوحة .
أما رأس العسكري ، فزيادة على الأنف الكبير ، والعينين الغائرتين ، والأذن الطويلة – التي ربما ترمز إلى كثرة ما سمع من وعود وشتائم .. وربما إلى إذعانها وحسن إصغائها – والفم الكبير – الذي ربما دل على جفاف ريقه ، نتيجة التذمر حينا ، والمطالبة بحقوقه حينا آخر ..- قلت رغم هذه المظاهر المثيرة ، فإن ما يميز رأسه هو ذلك الأثر : أثر أحمر الشفاه الذي ترسب على خده الأيسر ، وهو يحمل لونا ورديا مثيرا هو نفسه اللون الذي كتب به عنوان المسرحية ، مما حقق تجانسا لونيا ، له دلالاته بالطبع ، من أبسطها – في تصوري – أن تلك البقعة من أحمر الشفاه الملتصقة بخده ، إنما تعكس التصاق الوسام بذلك العسكري / الكاريكاتير ، الذي هو تصوير لشخصية البطل [ فاضل ] . فأثر أحمر الشفاه يقابل ارتباط الوسام ب[ فاضل ] الذي لم يستطع التخلص منه . وما يؤكد هذا الاحتمال ، هو اشتراك العنوان وأثر الخد في اللون ، الدال على الإثارة قبل كل شيء . من هنا ، يحمل لون أحمر الشفاه المطبوع على خد [ فاضل ] دلالة على الوسام الذي طبع حياة [ فاضل ] ومصيره بطابع لا يشق غباره . وعموما، فاللوحة مزيج من العبث والفوضى واللا معقول ، يمكن أن نرده – باختصار – أو نؤوله بحالة الجنون التي آل إليها [ فاضل ] آخر الأمر . ومن ثم فتقاسيم اللوحة تلتقي مع مضمون المسرحية .
وإلى جانب هذا ، يغلب على اللوحة اللون الرمادي الذي هو مزيج من الأبيض والأسود / النور والظلمة، /الوضوح والغموض ،/الأمل واليأس .. ومن دلالات هذا اللون أنه علامة على الغموض والفوضى ، وعلى اختلاط الأمور ، وعدم الاستقرار .. وهو ما يفسر طبيعة الحياة غير المستقرة والغامضة والمضطربة التي عاشها [ فاضل ] . وربما هو إحالة على حالته النفسية ، وما يعتريها من اضطراب وتمزق ، كيف لا ، والسيد حافظ هو الخبير في علم النفس تأسيسا على دراسته المتعمقة فيه .
وتكفينا هنا العودة إلى مسرحية الروسي [ ليونيد أندرييف ] : " حياة إنسان "، لندرك بعض أبعاد هذا اللون ، كما جسدتها شخصية [ هو ] التي تحلت بزي ر مادي عديم الشكل ، وعلى رأسها غطاء رمادي .و حتى عظامها كأنها منحوتة من حجر رمادي . بل حتى الغرفة التي شغلتها ، كل شيء فيها رمادي بما فيها الجدران والسقف والأرض .. ومن خلال أحداث المسرحية ، نفهم أن ذلك اللون الرمادي إنما يلهم بغموض حياة الإنسان – بطل المسرحية –، وغرابتها وخفاء ملامحه هو.
من هنا أجد أن الصفات نفسها تنطبق على حياة [ فاضل ] بطل مسرحيتنا .وللعلم ، فذلك اللون الرمادي تجاوز اللوحة ، ليغطي مساحة أخرى ، هي ما شغلها حيز التعيين الجنسي بالعرض .
5-1- تاريخ كتابة المسرحية :
ولا أقصد به تاريخ نشرها وخروجها إلى القارئ ، وإنما أعني به ذلك التاريخ المثبت في نهايتها ، الذي يشي بتاريخ نهاية كتابتها ، وهو ما تحدد بسنة اثنتين وتسعين وتسعمائة وألف . وإذا ربطنا هذا التاريخ بمجريات الأحداث على الصعيد العالمي ،سنجد أنه يتزامن تقريبا مع تاريخ حرب الخليج [1990م] التي نتج عنها وعي جديد ، وفكر جديد ، ومواقف جديدة .
ولذا فلتاريخ الكتابة إيحاءات على الواقع ، انعكست على مجرى الحدث المسرحي ، بدليل الإشارات الكثيرة في النص إلى وجود حرب سابقة في ما في ما وصفه المؤلف ب [ البلاد المحررة ] ، وردت تلميحا لا تصريحا . ومن هذه الإشارات : اللهجة الخليجية ( انظر ما يتعلق بشخصية [ بدر ] وأخيه [ سالم ] ). وكذلك الإشارة إلى البلاد المحررة التي ينتمي إليها هذان الأخيران التي ليست هي " مصر " بطبيعة الحال ، بدليل تكريم سفارة هذه البلاد – القائمة بمصر – ل[ فاضل ] .فلنستمع إلى الحوار التالي :
" بدر : فاضل مين ؟
فاطمة: فاضل جوزي
بدر : أنتي متجوزة ؟
فاطمة : أيوه يا خويا بقولك فاضل كان عندكم .. أنت منين يا خويا ؟
بدر : أنا من البلاد المحررة .
فاطمة : يا أهلا وسهلا .
بدر : أهلا فيك
فاطمة : مش جوزي فاضل كان هناك ؟ "
إذن تاريخ كتابة المسرحية يحيل على فترة ما بعد تحرير دول الخليج . وهكذا فربما استشف المؤلف أحداث مسرحيته من نتائج حرب الخليج ، طبعا إلى جانب اشتغال مخيلته بالابتكار والزيادة والحذف ..
ملخص تقريبي :
تدور فكرة المسرحية حول حكاية بسيطة .. [ فاضل ] ذلك البطل في حرب التحرير ، الذي أوشك على التضحية بنفسه في سبيل تحرير البلاد العربية – بدليل ما أصابه من جراح بالغة ، أقعدته مدة ليست بالقصيرة بالمستشفى العسكري – ، لم يوف حقه من الاعتراف بالجميل ، ولم ينل من المكافأة غير وسام من الرئيس و صورة تذكارية معه ، رفقة كل طاقم أبطال حرب التحرير ، تم نشرها بالجريدة ، فضلا عن حوار تلفزيوني أجرته معه المذيعة [ صفية محمود ].
وهكذا، ظل فاضل يتخبط في دو امة الحياة ، يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، وزوجته [ فاطمة ] ،- رفيقة مشوار حياته- ، تسانده ، يطرقان معا كل أبواب الرزق ، وسلاحهما في ذلك وسام من الرئيس وصورة معه . ولكن سهام الخيبة كانت تقف لهما بالمرصاد ، وكلما لاح لهما بصيص أمل ، ينتهي الأمر بعودتهما وهما يجران أذيال الخيبة التي كانت تنفث سمومها في شرايينهما ..يلحقهما عار الخذلان أينما حلا وارتحلا . فحتى نصيب [ فاضل ] الشرعي من أرض أجداده، استبد به [عمدة البلد ] الذي عاث في الأرض فسادا .. وحتى كشك السجائر الذي فكر في الاسترزاق منه ، في رحاب منطقة هادئة ، آل إلى الهد ، بعد معارضة أحد سكانها ، ألا وهو الصحفي [ محروس ] الذي أكلها مشبعة كرامته .
و شاءت الأقدار أن تلقي في طريقه زميلاله في الحرب ، ألقى إليه بالمودة ، ومهد لإجراءات تكريمه من قبل سفارة بلاده المحررة . من هنا تنفس [ فاضل ] الصعداء ، وردت روحه، نتيجة قرار السفارة أن مكافئه ، بذريعة تقدير خدمته ، وتعويضه عن أيام شقائه تلك ، كسحابة صيف ومرت. سرعان ما صدق المسكين ، وسبح في أحلام العصافير ، تشاطره زوجته في الحلم :( امتلاك البيت والدكان ، شراء السيارة .. ) وغيرها من الأحلام السرمدية التي لا تعدو كونها قصورا من رمال.
وما كاد المسكين يتهنأ بحلمه ، حتى فوجئ بضربة قاضية – وذاك ما زاد الطين بلة -، إذ أسفر الحفل التكريمي الذي خصته به السفارة ، عن منحه وساما جديدا ، كان سببا في إعادته إلى المستشفى ، ولكن هذه المرة ، مستشفى من نوع آخر ، ليس للتطبيب: إنه مستشفى المجانين ، حيث قوبل رفض المسكين لوسام جديد، وتعبيره عن صدمته، برميه بالجنون . تلك إذن مشيئة القضاء والقدر.
مع الشخصيات :
إذا كانت المسرحية تتخذ من الحوار والحركة سندا لعرض قصتها ، فإنها تعتمد على شخصيات تحدث وقائع هذه القصة . ومن التعريفات التي أحاطت بمفهوم الشخصية ، تلك التي نهلت من معين التحليل النفسي ، فاعتبرتها " وحدة عضوية تحتضن مظاهر عضوية وسيكولوجية " . كما اعتبرتها عصارة التحولات النفسية الصادرة عن الفرد ..إلخ .
فهذه الشخصية تتوقف عليها حياة المسرحية ووجود المسرح . فقد يسمح هذا الأخير بغياب الحوار عن طريق الملفوظ ، وبغياب مجموعة من مقوماته .. ولكن غياب الشخصية يجعله مستحيلا ، لأنها هي النسيج أو البوتقة التي ينبثق منها الصراع ويتوهج . وهي الوسيلة التي يركبها المؤلف لنقل أفكاره ومشاعره وتصوراته .
أما شخصيات السيد حافظ، فيطبعها طابع التعدد الهادف إلى تحقيق التوتر في الأحداث ، وتعميق هوة الصراع فيها . وهي شخصيات تنبض بالحياة والحركة . إلا أنها لا تخضع للعفوية والتلقائية في تصرفاتها ، وإنما " تتحرك على إيقاع الظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة بها ، وصراعاتها الداخلية.
إن هذا التعدد والحركة ميزتان مصاحبتان للشخصيات التي يتحدث نصنا المسرحي على لسانها . وهي شخصيات مختلفة الطباع والمواقف ، متفاوتة الصفات والخصائص . أي أن تعددها لم يحجم حافظاعن سبر أغوارها والتوغل في عوالمها النفسية .
وإذا كان فاضل عبد السميع هو الشخصية التي تشكل حجر الزاوية في مسرحيتنا ، نظرا لحضوره القوي والمستمر فيها ، فسيكون تركيز الحديث عليه بالدرجة الأولى . إلا أن هذا لا يمنع من ذكر باقي الشخصيات على سبيل الإشارة لا غير .
ونظرا لكونها قد ناهز عددها الستين ، فإنه يتعذر علي الإحاطة بها جميعا ، لذلك أكتفي بذكر أهمها ، من الرجال والنساء.
أبرز الشخصيات من الرجال

محروس
عبده
العمدة
عزمي
عمر
جورج
سالم
بدر
فاضل
الشخصيات من النساء
أربع فتيات جميلات
سنية
كوكي
صفية محمود
فاطمة

فلنرفع الستار عن أهم الشخصيات لنستقرئها انطلاقا من ملامحها وصفاتها وحركاتها ، ولتكن بدايتنا بالشخصية المحورية : شخصية فاضل .
فاضل :
هو فاضل عبد السميع ، الملقب ب [ فاضل بوش ]. أصله من الفلاحين ، تجند للخدمة العسكرية ، فتمكن بجده وإخلاصه من الحصول على صفة بطل ، من خلال ذلك الدور الكبير الذي لعبه في الحرب التي توجت بنصر القوات التي ينتمي إليها . تقول المذيعة [صفية محمود ]في هذا الصدد معبرة عن افتخارها به ، ومعللة سبب اختياره لإجراء حديثها معه:
" صفية : علشان انت يا فاضل أول جندي رفع العلم وأول جندي دخل وأول جندي عمل عمليات عسكرية مع المقاومة ورجع صح ."
وهو شخصية تميل إلى روح الدعابة والمرح ، حتى في أحرج لحظاتها :
" محروس : شيل الكشك
فاضل : أنت بتهزر؟
محروس : لا مبهزرش
فاضل : والكشك تاعبك في إيه بس؟.. الكشك دا وهو هنا بيوجعك يعني ؟ بيقرصك في حاجة؟"
وبين تفكهه الخارجي وتمزقه الداخلي ، يعاني فا ضل عذابا سيزيفيا قاسيا ، ويتجرع مرارة التهميش من كل حدب وصوب ، ويبحث عن الحق والفضيلة في زمن غابت عنه القيم السامية .
وفضلا عن هذا، فهو نموذج الإنسان البسيط : حياة وحلما. إلا أن الخيبة هي وحدها التي تتحقق له دائما ، فتحاصر حلمه وتعقد حياته .
وإلى جانب هذه الشخصية التي احتلت مركز الصدارة ، تحضر شخصيات أخرى لا تقل أهمية – على أنها لا ترقى إلى أهمية [فاضل ] – ساهمت بطريقة أو بأخرى في بلورة الحدث ، يأتي في مقدمتها :
العمدة :
عمدة السوالم هو المسؤول الأول عن أكل حق فاضل بالباطل. وهو شخصية إجرامية لا تفارق [ الشيشة ]. كل تصرفاتها توحي بالأنانية والجشع وحب الامتلاك .ولكنها في المواقف الحساسة - أو التي تبدو لها كذلك - تتظاهر بالتدين :
" العمدة : نعم ( شد الشيشة من يده ) في إيه يا غفير ؟
الغفير : فاضل عبد السميع
العمدة : مات .. يا حول الله يارب .. أبوه الله يرحمه كان صاحبي ."
في حين هي لا تخاف الله ، ولا تحسب حسابا إلا لمن هو أقوى منها سلطة ونفوذا .
بدر :
هذه الشخصية تؤدي دور شاب عربي ينتمي إلى البلاد التي حررها فاضل وأمثاله . وهي شخصية السكير الذي يدعي البكاء على أرضه دما بدل الدموع ، في حين هرب من واجب الدفاع عنها إلى الملاهي الليلية :
" فاضل : انت تعرفي بدر؟
كوكي: ما هو مزروع هنا بقاله سنين .
فاضل : هنا فين ؟
كوكي : هنا في البار
فاضل : اخس عليك وتقولي بابكي واسمك من البلاد المحررة وأنا هناك . "
سالم : هو شقيق [ بدر ]. إلا أنه يختلف عنه فكرا وطباعا ، إذ لم يتخل عن أرضه ، كما ساعد [ فاضلا ] على حل مشكلته ، نظرا لوشيجة الصداقة التي آلفت بينهما في الحرب:
" فاضل : دا سالم .. سالم كان هناك في البلد المحررة ، كنت بوصله السلاح والرسائل "
جورج :
يدعى [ جورج سمبو ].و هو أيضا زميل" فاضل " في الحرب ، وسمت شخصيته بميسم الذكاء والإذعان لأوامر السلطة :
" فاضل : ... با قولك إيه ، إيه رأيك تقبض انت مرتبي شهر وأنا اقبض مرتبك شهر
جورج : حلوة دي مش ممكن
فاضل : ليه يا سمبو؟
جورج : أنا مع جورج بوش ."
محروس :
هو [ محروس شعللها ] ، أستاذ صحفي ، اسمه علامة على أفعاله. فهو لا يتورع عن إشعال الحرائق أينما حط رحاله.و يكفي أنه تسبب في منع [ فاضل ] من إقامة كشكه على الرصيف المقابل لعمارته. ووصل به الأمر إلى أن استحضر الشرطة لهذه ، وهو نفسه الذي كان يحفز الجيوش على إشعال نار الحرب ، متنعما هو بالبقاء في مقره .
" فاضل : محروس شعللها قال فورا هد الكشك.. مش انت اللي كل يوم في التلفزيون تقول اضربوهم .. يلا اضربوهم يلا يا جنودنا يا أبطال ..فورا ..كل حاجة مشعللها .. مشعللهافي الهد بره وجوه."
- فاطمة :
هي فاطمة عبد اللطيف ، زوجة فاضل ، فلاحة في أصلها ، تمثل نموذج الشخصيات النامية التي تكشف نفسها تدريجيا خلال الحكاية ، وتتطور بتطور الحدث وتواصلها فيه مع الشخصيات .
وهي تحمل من صفات السذاجة والإذعان الكثير الكثير .. وقد أبدت استعدادا كبيرا للتحمل مع زوجها كل مشاق رحلته في الحياة ، كما رثت لحاله ، وقاسمته تعبه. وكانت ظلا له في السراء والضراء.
-صفية محمود:
هي مذيعة التلفزيون التي تعرف إليها فاضل يوم بعثت إلى المستشفى العسكري لتسجيل حديث معه . وقد تميزت هذه الشخصية بنوع من اجترار الحديث وتكرار الحوارات ، إلى جانب توفرها على نصيب لابأس به من الصبر ، والقدرة على التحمل ، وغير ذلك مما تقتضيه طبيعة المهنة المزاولة .
-كوكي :
هي صورة للشخصية الثابتة أو المسطحة التي لا تتغير، منذ أول وهلة نتعرف عليها ، لا يؤثر فيها المحيط . وهي راقصة ، وصاحبة كازينو بشارع الهرم ، تتمتع بجرأة كبيرة – ربما أكسبتها إياها طبيعة عملها- ، تتقن الرقص والإغراء ، وهي إلى ذلك صاحبة نفوذ وسلطة وقرار لا يرد :
" فاضل :.. الحكومة ما تقدرش تتكلم معاها لأن معاها أسلحة جامدة ، شنبات كبيرة في الوزارة .."
لقد تعاونت هذه الشخصيات وغيرها على بلورة الصراع ، وكشف تناقضات الواقع والنزعات الإنسانية ، وهذا لأنها تعكس خبرة السيد حافظ في حفر مجاهيلها النفسية وتفسير حالاتها .
الفضاء الزمكاني
1-4 – الفضاء الزمني
تعرف مسرحية " وسام من الرئيس " تعاقب الأزمنة الثلاثة ، إذ ينصهر في بوتقتها كل من الحاضر والماضي والمستقبل .
1-1-4- الزمن الحاضر
تقع فيه أحداث المسرحية الآن ، وليس في وقت آخر. وقد عرف حضورا طاغيا على جل المشاهد ، فلا داع للتمثيل له .
2-1-4- الزمن الاسترجاعي
يقوم على أساس الاسترجاع ، حيث التوسل بتقنية " الفلاش باك "ل " تحطيم الزمن المتتـــابع " ، وإخلال تسلسله الروتيني ، بإعمال الذاكرة لاسترجاع أحداث ومشاهد وقعت بالأمس القريب أو البعيد .وشاهدنا من النص على هذا الزمن يتمثل في مشهد لقاء [ فاضل ] بزميله القديم [ جورج سمبو]، وما تفتق عنه من ذكريات .
" فاضل : ازيك يا جورج سمبو.
جورج : الله يسلمك إزيك إنت
فاضل : فاكر يا سمبو .
( يدور الكشك ويتحول إلى خندق وأضواء الكباريه كأنها أضواء المعارك ."
3-1-4- الزمن الاستشرافي
يتمثل في كل ما يحيل على زمن المستقبل ، حيث يكون الحوار إيحاء بما سوف يحدث أو يجب أن يحدث ، كما في الفقرة التالية
" فاضل : .. بهدلوني يا سالم يا أخويا
سالم : حقك علي ما يدرون .. إزاي إنت لازم يكرموك انت جبت لنا سلاح وأول واحد خش البلد وانصاب . (...)
أنا لازم أشوف مشكلتك ، لازم السفارة تعمل الواجب معاك البلد كلها .. بكرة الصبح السفارة كلها مستنياك وانا ح امر عليك اخذك.. "
كما أن قراءة المسرحية تكشف عن وجود زمنين آخرين متناقضين :
- الليل
وهو زمن غياب سلطة العقل، وحضور الممارسات المحرمة دينيا ،والمرفوضة اجتماعيا وخلقيا. وهكذا نجد في النص، أن هذا الزمن فرصة يغتنمها عباد الظلام ،وعشاق أمواج الخمر الذين يهرعون بحثا عن الجحور، لتسع ممارساتهم التي قد تستحيي منها الشياطين ،وهي تردد : " ما أنزل الله بهذا من سلطان " .. كما هو الإثم في كازينو: [ كوكي بوكي ] . وهذا الاسم في حد ذاته تنبعث منه روائح السوء والهوى ، فلا عجب أن يكون اسما دالا على مسمى ! . .. ففي كل ليلة معرض لبضائع السكر والضياع والفحش .
النهار :
هو زمن الحركة والحيوية والنشاط ، ومن الإشارات الدالة عليه في نصنا : مبادلة التحية الصباحية، كما حدث بين الراقصة كوكي والمذيعة صفية محمود
هذا ويخضع الزمن أحيانا للتحديد الوقتي ، كما يتجلى في الإشارة المسرحية " الزمان : 7 مســاء " ،الدالة على موعد حفل السفارة ، ويتضح كذلك في قول سالم لفاضل ضاربا له موعـدا : ".. إلى اللقاء .. الساعة 7 بكرة بعد الظهر ".
2-4- الفضاء المكاني
في مقابل المسرحيات الأحادية المكان ، تدور أحداث " وسام من الرئيس " في أمكنة متعددة ، كل مكان له دوره ومميزاته . على أن ما يميز الفضاء المكاني – في عمومه – هو اتخاذه بنية دائرية ، إذ يبدأ بالمستشفى وينتهي بالمستشفى ، نفس البنية الدائرية تتوالى على مستوى دلالة المكان أو مبررات الحلول به ، ذلك أن الفضاء المكاني يبدأ بالمرض وينتهي بالمرض :




مستشفى عسكري
مستشفى أمراض عقلية
منزل عمدة
السوالم السفارة

كشك سجائر كازينو "كوكي بوكي"
على الرصيف وكشك أمامه
شارع على باب
مبنى التلفزيون


هذا الفضاء المكاني ، يمكن التمييز فيه بين الأمكنة المغلقة [ المستشفى – منزل العمدة – كازينو كوكي بوكي – السفارة ] ، وبين الأمكنة المفتوحة [ كشك على الرصيف – شارع على باب مبنى التلفزيون ] ، غير أن المستشفى يظل أهم وأكبر فضاء مغلق . وإذا كانت رغبة [فاضل ]، وهو مصاب فيه – بادئ ذي بدء – لا تكف عن الإلحاح على مغادرته إلى الفضاءات المفتوحة الرحبة ، حيث الحياة والحرية والآمال .. فإنه سرعان ما فقد الأمل بمجرد خروجه ، لأنه ما من مكان يحل به، إلا ويتنكر له، ويلح عليه في الحياد والابتعاد ... ودون أن يشعر يجد نفسه يعود إلى المستشفى . نعم من المستشفى .. إلى المستشفى .. وهو مكسور الجناح ..! . ذاك قدره .
الموضوعات:
مسرحيتنا هاته خزان لقضايا إنسانية ومواقف درامية ، صاغها صاحبها في قالب كوميدي ساخر . من هنا ، يمكن الحديث عن تيمتين كبيرتين تتوزعانها .
1-5- القضايا الإنسانية
يعج مسرح السيد حافظ ب" مضامين ذات صبغة إنسانية عامة " . ونصنا هذا يطرح أكثر من قضية تمس الإنسان وحياته بشكل عام ، ذلك بأن " الموضوعات التي تشغل فكر حافظ هي المشاكل المصيرية المتصلة بحياةالإنسان اليومية " .والحقيقة التي لا يختلف فيها اثنان هي أنه أشعرنا بعمق هذه القضايا ، وأوصلها إلينا مغلفة بثوب لا تعوزه الأناقة والصحة .
منها : الزبونية أو المحسوبية ، وقد تجلت في إهمال المستشفيات علاجا ونظافة ، والحكم عليها بوضعية مزرية دائمة ، ما عدا في المناسبات الخاصة جدا ، كزيارة الرئيس – مثلا – التي استدعت نظافتها وتوفير راحة مرضاها ، حتى وإن اقتضى الأمر تغيير الأثاث والممرضات ونظام المستشفى كله، بل تحريض المرضى على الاعتراف – ادعاء – بأنهم يجدون كل الخدمة والراحة .
أما قضية الصراع الاجتماعي ، فقد اتخذت مظهرين : صراع فاضل مع العمدة حول قطعة الأرض التي انتزعها منه زورا وبهتانا ، ثم صراع [ فاضل ] مع الصحفي محروس ، المسكون بنزعته الطبقية ،إذ حرم عليه العيش قريبا من عمارته الفاخرة ، وأدت به أنانيته إلى هد كشكه الحقير ، الذي نصبه على رصيف قريب .
هناك أيضا قضية الانحلال الخلقي ، و تتمثل في شخصيتي [ كوكي ] الراقصة ، و[بدر ] السكير . وتطرح المسرحية أيضا قضية اغتيال الحلم العربي في صورته المصغرة ها هنا . فما كاد فاضل وزوجته يرميان نظرهما بعيدا ، ويحلمان بالمستقبل ، وبالبيت الذي يلم شملهما ، والدكان الذي يعيشان منه .. حتى دمرت حلمهما النتيجة التي أسفر عنها حفل التكريم 1.
وفي هذا الصدد يذكر الناقد مصطفى رمضاني أن حرمان السيد حافظ من عصر التحرر والاشتراكية هو الذي دفعه لأن " يعيشه في الحلم مع أبطال مسرحياته ، لذلك نجد أن أغلبهم يجسدون هذا الحلم بنوع من التفاوت ، ولكنهم جميعا يعيشون المفارقة الإشكالية ذات الطابع الدونكيشوتي بين أحلامهم وواقعهم المر . لذا، فهزيمتهم هي هزيمة جيل بكامله . " . هذه القضية نفسها تلقي بنا في ساحة الديمقراطية ، لنطل عليها من نافذة النقد ، لنعلم أسباب غيابها عن الحكم ، أهي التي أبت الحضور بمحض إرادتها ، أم أن أهلها تمردوا عليها كارهين أو مستكرهين ؟ و في اعتقادي إن الأول مستبعد ، والثاني هو الذي أشارت إليه الديمقراطية بطرف العين خيفة أهلها ..
فبمجرد ما أن حاول [ فاضل ] التعبير عن هول صدمته بالوسام الجديد الذي كرم به ، ورفضه له ، حتى جرد من حرية التعبير ، ولحقته لعنة المسؤولين يعقبها مس من الجنون وانهيار عصبي خسفا بكل مقومات إنسانيته حتى كانت نهايته . لقد حاول المسكين أن يغرس بذور الفضيلة والحق ،ولكن القهر داسه بعجلات ضخمة إنجليزية، وبمحرك عالي التقنية من صنع أمريكي . وقبل أن يرتد الطرف، كان قد نقل من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ...
هكذا ، فالسيد حافظ " يقدم إلى المتلقي شحنات متوالية من الاندهاش المزعج والمقلق والمثير في آن واحد ، إنه لا يقصد بفنه أن يهدهد حواس المتلقي ، بل أن يحدث داخله صدمة المباغتة التي تولد فيه التوتر والحيرة والتساؤل " . وأخيرا، أختم بقضية معاناة الشعوب ، حيث تعكس معاناة [ فاضل ] معاناتها ، من جراء توالي هزائمها ، واستسلام أبنائها ، وهو ما يشي به قول [ الرجل الأصلع ] مخففا عن فاضل : " ما تبكيش يا ابني ، شعوب كثيرة بتبكي " .
وهكذا، ننتهي إلى أن معاناة الإنسان هي دائما مجال انشغال السيد حافظ ، لأنه " يهتم اهتماما كليا بمشكلة الإنسان المعاصر ، والضغوط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الملقاة عليه ، ويحاول أن يقتحم هذه العوالم في داخل الإنسان . "
2-5- تجربة الكوميديا
يعتبر" أحمد حسن الزيات أول من عرب لفظ الكوميديا بمصطلح الملهاة ". وكان أول كتاب نظر لمصطلح " الكوميديا " هو كتاب " فن الشعر " ل [ أرسطو] . يقول المعلم الأول : هي " محاكاة الأراذل من الناس ، لا في كل نقيصة ، ولكن في الجانب الهزلي ، الذي هو قسم من القبيح . " بمعنى الجانب المثير للضحك في الفعل القبيح أو الصفة القبيحة . هذه المحاكاة ، تتوسل لغة شيقة ، وتتم في شكل درامي ، و " بأشياء تثير الضحك ، وبذلك يحدث التطهير من انفعال الغضب " . إلا أن هذا الضحك ينبغي فيه التوازن ، لأنه إذا زاد عن حده " انقلب إلى قهقهة فارغة " .
وما دمنا نتحدث عن الضحك ، جدير بالتذكيرأنه ليس إلا عنصرا من العناصر التي يلزم توفرها كي تتحقق الكوميديا . صحيح أن الكل يتفق على كون : الكوميديا تشكل المجال المسرحي الأكثر اشتغالا بالضحك "، إلا أن هذا لا ينفي دور الفكاهة .
فأما الضحك فهو ببساطة " رد فعل تلقائي ، لاستثارة عقلية مثل النكتة ، أو جسدية مثل الدغدغة "، وهو لا ينبع من الفرح فقط ، وإنما كثيرا ما " يكشف الضحك عن إدراكنا للتناقـــض " .
أما الفكاهة فهي " فن وفلسفة : فهي فن لا يجيده إلا القلائل من الناس ، وهي فلسفة لأنها يجب أن تكون تعبيرا عن موقف أو نظرة أو فكرة ، تتوسل إليها بلطف ودقة ، باللمح دون الإطالة ، وبالتلميح دون التصريح .".
ولنربط بين العنصرين السابقين ، نقول باختصار : إن الفكاهة " جوهرها الخيال المضحك أو تعبيراته " ، ذلك بأنها تتعلق بما هو مضحك ومبهج .
على أن الضحك والفكاهة لا يكفي اشتغالهما في الكوميديا ، إذ يلزمهما في الغالب رفيق ثالث، هو النقد ، لأن الكوميديا تهدف إلى التسلية وإلى النقد . من هذا المنطلق ، سنلامس بعض مظاهر الكوميديا كما وظفها السيد حافظ في مسرحيته .
1-2-5- الكوميديا والضحك / الفكاهة.
تحاول مسرحيتنا التنفيس عن الجمهور / القراء ، من خلال اشتغالها على تيمتي الضحك والفكاهة .إلا أن هاتين الأخيرتين ليستا مجانيتين ، وإنما لهما أسبابهما وتداعياتهما . ومن أمثلتهما:
" سنية : بقولك ايه أنا صبري نفذ يا فاضل . وروحي بقت في مناخيري .
فاضل : ( من الداخل ) أنت أصلا ما عندكيش مناخير ومالكيش روح . داحتى عزرائيل سايبك في الدنيا كده لأنه خايف يوسخ ايده منك " .
فالموقف مثير للضحك بالفعل. ولكن أسبابه وجيهة ، نظرا للمعاملة السيئة التي كانت تخص بها سنية مرضاها ، وفاضل واحد منهم ، لدرجة أنهها كانت تجبره على أخذ حقنة محلول الكلوكوز بنفسه، ولا تقدم له أية مساعدة طبية .
ثم لدينا مثال آخر ، يتعلق بوجهة نظر [ فاطمة ] في تقدير قيمة الوسام ،وهي تفسر للعمدة طريقة عمله بقولها :
" تدعك كده يطلعلك عفريت ، يقولك شبيك لبيك عبدك وبين ايديك "
وحين تفشل محاولتها ، تجيب عفويا :
" الوسام دا ما بيعملش حاجة يا فاضل ، العفريت باين هرب منه "
ولا أحد يجادل في أن سبب الضحك المتولد عن كلامها لا يخرج عن فداحة جهلها وسذاجتها.
2-2-5- الكوميديا والنقد الاجتماعي
لقد توسل السيد حافظ السخرية في معرض نقده الاجتماعي ، وبرع فيها بامتياز .يقول على لسان فاضل :
" أنا مبسوط ياريس احنا تمام ياريس والحمد لله كل شيء عال والخدمة في المستشفى ممتازة وبناكل كل لحمة ونرمي العظم للحيوان وكله بخير .. الجسر في بلدنا تمام والعمدة في بلدنا تمام ولا هم دهنوا المستشفى ولا كانت وسخة ولا كانوا بيرموا الأكل على الباب أبدا .. وكله تمام ياريس .."
إنها قمة التذمر والسخرية التي يعبر بها عن أحواله الاجتماعية ، كاشفا حقيقة النظام في المستشفى ، حيث يلقى بالطعام للمرضى على الباب وكأنهم كلاب ، ولا يعتنى بنظافة الغرف ..إلخ
3-2-5- الكوميديا والنقد السياسي
تظل السخرية وسيلة فعالة للنقد السياسي ، مما يفسر علاقة هذا الأخير بالمسرحية الكوميدية . والمثال التالي نسوقه للتمثيل. ويتعلق برد الفعل الذي صدر عن فاطمة وهي تتحدث إلى محروس ، ساعة أدركت أن [ عبده ] – البطل الذي عدى القنال في حرب 73 – عين فراشا / بوابا :
" الله يخيبهم عينوه فراش بعدما عدا القنال ومشي وسط النيران وقتل كام واحد من الأعداء عينوه فراش .. انت مش عارف يعني إيه فراش .. فراش يعني موصلاتي ورق وحاجات بين المكاتب .. حسرة عليك من فراش لبواب ..شفت الأبطال في بلدنا بيشتغلوا إيه بعد الحرب ..فراشين يا بوابين . وانا فاكرة لما كنا في الحرب وصغيرين نقوله ابنك يقولك يا بطل هاتلي نهار .. كنا نقول عليهم أبطال مصر ونشوفهم في عربيات ونصفق لهم وبعد ما ينزلوا من العربيات نديهم الوظيفة فراش وبواب وكمسري ..دا كلام ! "
إنها ترثي للوضع الذي آل إليه أبطال البلد . وفي الوقت نفسه تسخر من السلطة التي لها اليد الكبيرة في مصيرهم وسوء حالهم .
هكذا وظف حافظ الكوميديا لخدمة الأغراض النقدية ، مما طبع مسرحيته بطابع الكوميديا السوداء . وبذلك " يبدو تجريب الكوميك في مسرحه متجاوزا لحدود حالته الفيزيولوجية باعتباره دغدغة شعورية ، أو رد فعل تلقائي أو جماعي ، ليصبح وسيلة للنقد الاجتماعي والسياسي ، قصد تصحيح الهياكل السائدة ، وتغيير الأعراض المتفسخة " .
بنية الحدث
لقد ثار حافظ على القاعدة الأرسطية برفضه لوحدة الحدث ، ذلك بأن مسرحيته هاته منفتحة على أكثر من حدث ؛ أحداث لم يستقها من الأسطورة أو التراث ، وإنما من الواقع : من ميثولوجية المعيش Mythologie du quotidien .على أنها لا تخلو من إيحاءات تاريخية تتعلق بالهزيمة العربية التي دخلها من باب التغريب ، فصورها على أنها انتصار ، بهدف كسر أفق انتظار المتلقي .
وما دام يعرض علينا شريط حياة إنسان ما بعد الهزيمة / الانتصار ، كان لابد أن تتعدد الأحداث ، لأن الحياة ليست حدثا واحدا فحسب ، وإنما سلسلة أحداث . لنصغ إلى قول المبدع المسرحي عبد الكريم برشيد في هذا الصدد عن الحدث في مسرح حافظ : " فالحدث في مسرحه موجود ، ولكنه حدث ممهور بالغرابة ، هو غالبا ما يكون ساكنا قائما على الانتظار والترقب والترصد، وإذا تحرك هذا الحدث فإنه لا يتحرك في خط مستقيم يصعد إلى أعلى . فقد يبدأ من الخلف أو قد يعود إلىالخلف بشكل سينمائي ( فلاش باك ) . هذا الحدث يبدأ متأزما ويبقى متأزما ، ربما لأن الانفراج نوع من التفاؤل الكاذب ، وعليه فلا مجال للتمويه على النفس ، والكذب على الجمهور والقراء " .
ولما كان الحدث في العمل المسرحي يتركب من الحوار والصراع الدرامي ، فإن حافظا ابتعد عن السرد باعتباره تقليدا أرسطيا ، وركز في عرضه للأحداث على إبراز الصراعات النفسية التي تتعرض لها شخصياته . ومن هنا ، دفعنا بقوة إلى الغوص في أعماق [فاضل ]لنعيش معه أحلامه وطموحاته ، وتعثراته وانكساراته ،و جعلنا نقرأ المعالم التي رسمها لهذه الشخصية وبواطنها معا ككتاب مفتوح ، نحس بإحباطاته ، نشغل مفكرتنا وقت يشغلها ، ونبحث لنا معه عن مخرج .
وفي ظل التطور الحدثي المتأزم : من المرض ، إلى المفاجأة ، إلى الشقاء ، إلى الأمل، إلى الحلم ، إلى الصدمة ، تتوالى الأحداث وتتداخل . ويمتزج الحاضر بالماضي عن طريق أساليب خاصة سخرها [ حافظ ] لخدمة أحداث مسرحيته ، أبسطها : ذلك الاسترجاع " فلاش باك " الذي فصل به بين وحشة الحاضر – لقاء فاضل الضائع مع [ سمبو ] قرب كازينو [ كوكي ] – ورعشة الأمس – صراع فاضل مع الموت على ضوء المعركة - ، ليمنع استرسال الأحداث في خط تصاعدي .
بعد هذا، ننتقل إلى تناول الأحداث من منظور السيميائيات السردية . ولتكن وقفتنا عند النموذج العاملي لغريماسGreimas . وهو نموذج بسيط " تكمن بساطته في الفعل الذي يتجه كليا نحو موضوع الرغبة المستهدف من قبل الذات ، والمتموقع كموضوع تواصل ، بين المرسل والمرسل إليه. من جهتها ، تصبح رغبة الذات مضمنة إلى انعكاسات المساعد والمعارض ."
هذا النموذج العاملي ذو ستة أقطاب تتخذ صورة ثنائيات ، إذ " نلاحظ أن العوامل تتوزع إلى أزواج مساعدة : الذات / الموضوع ، المرسل / المرسل إليه ، وأزواج معارضة : المساعد/ المعارض اللذين يمكن أن تعمل إشارة الاتجاه منهما على توضيح التمييزين ، ويبدو الصراع غالبا مثل اصطدام ، معركة بين هذين العاملين "
المرسل إليه الذات المرسل
Destinataire Sujet Destinateur
Opposant Objet Adjuvant
المعارض المو ضوع المساعد
تأسيسا على ما جاء في نص حافظ ، يمكن أن نرسم الخطاطة العاملية على الشكل التالي :
حر ب التحرير فاضل مصر
القدرة الواجب
سنية- عزمي-العمدة فاطمة- عبده
محروس- مندوب وزارة الأمان والاستقرار كوكي- سالم
التموين- مندوب مكتب
العمل ..
وانطلاقا من هذه الخطاطة يتألف نموذج غريماس من ثلاث علاقات :
علاقة الرغبة Relation de desir [ فاضل/ الأمان – الاستقرار]
علاقة التواصلRelation de communication [ مصر/ حرب التحرير]
علاقة الصراع Relation de lutte [ فاطمة – عبده.. / العمدة – محروس]
إن هذه العلاقات " تعبر عن الرغبة في حالة العلاقة بين الذات وموضوعها ، ففي غياب موضوع مرغوب فيه لا مجال للحديث عن ذات أو رغبة ، وعن الصراع في حالة العلاقة الرابطة بين المعيق والمساعد ، فالرحلة التي لا تصادف ما يعيق استمرارها ولا من يساعدها على الوصول إلى الهدف ، لا يمكن أن تسمى رحلة ، وعن التواصل في حالة العلاقة القائمة بين المرسل والمرسل إليه ، فالتواصل ممكن لأن الرحلة تنطلق من رغبة لتصل إلى أهداف " .
سنركز في تحليلنا السردي على العلاقة الأولى ، التي تشكل العمود الفقري داخل النموذج العاملي . إنها علاقة الراغب ( الذات ) بالمرغوب فيه( الموضوع ) ، على أساس التمييز بين الحالات والتحولات .
فأما الحالة ، فيعبر عنها شكلان يتضحان من خلال الترسيمة التالية

ملفوظات الحالة
ذات الحالة – موضوع القيمة

انفصال اتصال
ذ ? م ذ ? م
أما التحول ، فهو المرور من حالة إلى أخرى وفيه شكلان
تحول الاتصال : وهو تحول من حالة الانفصال إلى حالة الاتصال
[ (ذپ¾م) ( n م) ]
تحول الانفصال : وهو تحول من حالة الاتصال إلى حالة الانفصال
[ ( ذ n م ) ( ذ پ¾ م ) ]
من هذا المنطلق ، سنعاين الحالة بالنسبة ل( الذات / الموضوع ) في النص ، ونرصد بعتض تحولاتها :
- تلفظ الحالة : في هذه المسرحية، تبقى الذات والموضوع في علاقة انفصال ، ذلك بأن الذات [ فاضل ] لم تنل موضوعها المرغوب فيه [ الأمان والاستقرار ] . لذلك نعبر عن هذه الحالة بما يلي:
ذ پ¾ م
فاضل ( الأمان والاستقرار )
- التحولات : لنا الوقوف عند بعضها ، تبعا لصيرورة الأحداث
حدث الصراع الدائر بين فاضل والعمدة حول الأرض
[ فعل التحول (ذ2 ) ( ذ1 n م ) التحول ( ذ پ¾ م ) ]
العمدة فاضل الأرض فاضل الأرض
فالذات الأولى ( ذ1 ) ليست هي نفسها الذات الثانية (ذ2 )
ف (ذ1 ) هي( فاضل ) المالك للأرض ، و(ذ2 ) هي الذات العاملة ( العمدة ) الذي تدخل ، فيصبح (فاضل ) المالك للأرض ( ذ1 n م )منفصلا عنها ( ذ1 پ¾ م )
حدث الصراع بين فاضل ومحروس
[ فعل التحول (ذ2 ) ( ذ1 n م ) التحول ( ذ1 پ¾ م ) ]
محروس فاضل كشك فاضل الكشك
فقد كانت ( ذ1 ) ( فاضل ) تملك كشكا ، ولكن الذات العاملة ( ذ2 ) ( العمدة ) تدخلت، فأصبح فاضل الممتلك للكشك ( ذ1 n م ) فاقدا له ( ذ1 پ¾ م )
آخر مثال نقف عنده على وجه التمثيل
[ فعل التحول ( ذ2 ) ( ذ1 n م ذ1 پ¾ م ) ]
الوسام فاضل الاستقرار فاضل الاستقرار
فقبل انضمام ( فاضل ) إلى جيش حرب التحرير ، كان فاضل ( ذ1 ) مستقرا ، يعيش في بلده ( عزبة السوالم ) مع زوجته ، وله قطعة أرض يتكسب منها . ولكنه بمجرد انشغاله بالحرب ، واجتيازه لها ، تم تتويجه بالوسام ( ذ2 ) ، ولم يجن منه شيئا ، بل فقد كل شيء ، حتى قطعة الأرض . فما بالك إذن بالأمان والاستقرار .
ويمكن أن نلخص هذه التحولات – في عجالة – على هذا المنوال
بعد
Agent transformateur
قبل
-فاضل بدون أرض
العامل : العمدة
- فعل التحول : السرقة
- فاضل بحوزته أرض
- فاضل بدون شغل
العامل : محروس
- فعل التحول: الهد
- فاضل لديه مصدر رزق
(كشك )
- فاضل يعوزه الأمان والاستقرار
العامل: الحرب
- فعل التحول : جائزة الوسام
- فاضل مستقر
هكذا، نلاحظ أن جل الأحداث تسير على وتيرة واحدة تتمثل في (الانفصال ).
الأبعاد الجمالية :
ويتعلق الأمر بالوقوف عند بنية التناص ، ذلك بأن حافظا يمتح من كل اتجاهات المسرح ، لا سيما المسرح الطليعي الغربي ، الذي " تعتبر مشروعة على مؤسسة الأول كل البيانات التي تعهدها المسرح الحديث مع العدم : الحلم ، الرمز ، المحاكاة الساخرة واللغة ."
1-7- البعد الملحمي
نادرة هي المسرحيات العربية الحديثة التي نقف عندها دون أن نصادف فيها المرجعية البريختية ، حيث يتوسل مؤلفها ب" تقنيات جمالية عقلية ،نحو تحطيم سكونية الفرجة بتجاوز الجدار الرابع ، والتباعد ، وتغريب الحدث ، وما إلى ذلك مما هو وارد في كتاب الأرغانون الصغير " .
ولما كان التغريب أكثر الجماليات البريختية انتشارا ، فإننا نجد في مسرحيتنا هذه حضورا مكثفا لتقنية التغريب ، تلك التي تم ابتكارها و " ممارستها من أجل النضال ضد الاستلاب التقليدي " . وقد شرح بريخت B. Brecht نظريته في التغريب قائلا : " إن التوصل إلى تغريب الحادثة أو الشخصية يعني قبل كل شيء وببساطة أن تفقد الحادثة أو الشخصية كل ماهو بديهي ومألوف وواضح، بالإضافة إلى إثارة الدهشة والفضول بسبب الحادثة نفسها " .
بناء على هذا المعنى فالتغريب يتجلى في عدة صور منها :
1-1-7 التغريب على مستوى الآحداث
على الطريفة البريختية ، عمد حافظ في مسرحيته إلى إضفاء طابع الغرابة على أحداث تمت بصلة قوية إلى الواقع ، من ذلك ما جاء في مشهد تحويل فاضل إلى مستشفى المجانين ، للانضمام إلى إخوته فى المصير –حملة الأوسمة –
" فاضل : السلام عليكم ، أعرفكم بنفسي ، أنا فاضل عبد السميع .. ذي صورتي مع الرئيس .. وذا وسام من الرئيس في حرب التحرير
مريض1 : وأنا بطل حرب 48 وذا وسام من الملك فاروق وذي صورتي معاه
مريض 2 : وأنا بطل حرب 56 وذا وسام من الرئيس وذي صورتي معاه
مريض 3 : وأنا بطل حرب 67 وذا وسام من الرئيس وذي صورتي معاه
مريض 4 : وأنا بطل حرب 73 وذا وسام من الرئيس وذي صورتي معاه ."
ولعل أي قارئ يفطن إلى أن ما جاء في هذا المشهد تغريب في تغريب، لأن تلك الحروب التي قدم حافظ أبطالها لم تتوج بانتصار عربي ، بل إن تواريخها لا تفوح منها غير رائحة الهزيمة . إنه التغريب بعينه ! كيف نكون قد حققنا كل تلك الانتصارات وتاريخنا يشهد على هزائمنا المتوالية الملاحقة لنا كالعار ؟!
يكفي أننا ما تكاد تذكر لنا التواريخ التالية : 48-67-..حتى تطأطأ رؤوسنا ، وتشحب وجوهنا من جراء شبح الهزيمة .
2-1-7 – التغريب على مستوى الحوار: لم يقف قطار التغريب في مسرحيتنا عند محطة الأحداث فقط، وإنما استوقفته محطات أخرى على رأسها : محطة الحوار ، هذا الذي جاء مكسوا بحلة من الغرابة اللا متناهية .
والشاهد التالي للتوضيح :
" فاطمة : شوف يا خويا ..دا الوسام ..خده جوزي فاضل .. خده من الرئيس .. دا بطل حرب التحرير .
فاضل : ودا بطل حرب أكتوبر ضرب خمسين دبابة .
عبده : أهلا وسهلا
فاضل : ( للموظف ) وانت ؟
الموظف : أنا بطل الانسحاب .
فاضل : نعم
الموظف : أنا انسحبت سنة 56 وانسحبت سنة 67 واتزنقت في الثغرة سنة 73".
إنه حوار يلامس الواقع العربي من عدة زوايا ، غطاه حافظ بثوب من الغرابة وهو يضع الأبطال موضع البؤس والضعف. في حين يمجد قانون الانسحاب ، ويرفع دعاته إلى مصاف التسلط والتحكم في مصير الأبطال الحقيقيين . وهكذا ، بتغريبه لحواراته ، يكثف دلالات التغريب الملحمية .
2-7- البعد العبثي :
" نتحدث عن عناصر العبث أو اللا معقول في المسرح عندما لا نوفق إلى إنزالها في سياقها الدراماتورجي ، المشهدي ، الإديولوجي " . هكذا يعرف Patrice Pavis مصطلح العبث . أما جون رسل تيلر فيرى أن مسرح اللا معقول " مصطلح يطلق على جماعة من الدراميين في حقبة 1950 ، لم يعدوا أنفسهم مدرسة ، ولكن يبدو أنهم كانوا يشتركون في مواقف بعينها نحو ورطة الإنسان في الكون : وبخاصة أولئك الذين أوجز القول فيهم ألبيركامي في دراسة أسطورة سيزيفــوس " .
والتعريفان معا يلقيان الضوء – بما فيه الكفاية – على مسرح العبث أو اللا معقول الذي حاول استعادة الثقة بالإنسان ، بعدأن " أدرك مريدوه أن من المتعذر ارتضاء الأشكال الفنية والأدبية المبنية على قيم ومفاهيم اجتماعية فقدت صلاحيتها وفعاليتها " .
وقد تفنن السيد حافظ في هذا النوع من المسرح متأثرا برواده الغربيين – يونيسكو في ( المغنية الصلعاء ) وبيكيت في ( في انتظار غودو) -، فوسم مسرحيته بميسم القلق والاغتراب والتوتر والحيرة ، ذلك بأنه جعل من شخصيته المحورية [ فاضل ] سيزيفا آخر ، عبثا يسعى في تحديه لصخرة الواقع ، يتحرك في دائرة مغلقة ، ويحاول فك طلاسم مصير غامض ، يحبل بشتى مظاهر العبث : عبث الإنسان المعاصر . إن هذه الشخصية الضائعة في زحام الحياة ، تتطلع إلى القيم السامية ، فيكون نصيبها وابل من العذابات والوحشة والمعاناة التي تحول بينها وبين تلك القيم المنشودة .
وهكذا، تجد نفسها في خندق واحد مع من حذوا حذوها ، حيث كان مصيرهم واحدا ، هو الخلود بدار المجانين إلى أجل غير مسمى.
كان حصولهم على الأوسمة أول محطة في رحلة العبث ، وكانت آخر محطة فيها هي دفنهم بالحياة وأوسمتهم في مستشفى المجانين .وبعيدا عن هذا الموقف العبثي ، نصطدم بموقف آخر ، يتحدث فيه حافظ عن أبطال الهزائم ، أقل ما يقال فيه : إنه يعبث بالهزيمة ويحلم بالانتصار ..إنه عبث الحياة العصرية القائمة على كثير من الأوضاع " غير المعقولة " نتيجة الحروب وألوان الصراع الطبقي والمادي .
وقبل أن نقلب صفحة العبث ، لابد من الإشارة إلى حضوره على مستوى الشخصيات ، إذ جاء بعضها على طريقة بيكيت وأدموف غير محدد الهوية أو الجنس ، أحيانا غير بارزة ملامحها ووضعيتها الاجتماعية: " الرجل " ، أحيانا ذات قسمات باهتة :" الرجل الأصلع " ، وأحيانا أخرى كمجرد أصوات: " صوت 1/ صوت 2 " ..إلخ .
وهذا بالتحديد هو ما وقف عنده المبدع عبد الكريم برشيد بمناسبة حديثه عن مسرح العبث في العالم العربي ، بقوله : " كتب السيد حافظ مسرحيات لا تمت للمسرح في شيء ، وصور واقعا عربيا متعدد الأبعاد والزوايا . فبدا هذا الواقع غريبا ، وبدت مسرحياته أكثر غرابة ، فالشخصيات قد تكون رموزا ، وقد تكون أصواتا ، وقد تكون حيوانات بشرية . "
3-7- أبعاد أخرى
1-3-7- البعد الاحتفالي
منذ الأزل والاحتفال يسعى إلى تكريس المناسبات ، سواء منها الدينية أم الاجتماعية أم السياسية أم الوطنية أم الرياضية ..وهو بكل أنواعه يستدعي المشاركة ، ومن ثم الاجتماع بالآخرين .جدير بالذكر أن هذا الاحتفال لطالما اعتبر " التظاهرة الإنسانية الأزلية التي تعكس حقيقة الثقافة والفكر ، لأن في الاحتفال يتحرر الفكر من القيود والمواضعات الاجتماعية ".
من هذا المنطلق ، نجد أن مبدعينا المسرحيين العرب رسخو ا في مسرحياتهم هذا البعد ، وعملوا على إثرائه . وهكذا وجدنا السيد حافظ في مسرحيته يخصص حيزا لحدث الاحتفال الذي أقامته السفارة على شرف البطل المغوار [ فاضل عبد السميع ] . ومن مظاهر هذا الاحتفال حضور شخصيات من فئات اجتماعية مختلفة ( فاضل – السفير – محروس .. ) ، نصب ميكروفون لتوجيه كلمات التقدير ، زرع أكاليل الزهور في كل مكان ، تصفيق حاد ، تلويح بالأعلام ، هتاف ، موسيقى حالمة ..إلخ . ومن الصيغ المعبرة عن الاحتفال: " جئنا إلى هنا الليلة لتكريم البطل " .
2-3-7- البعد التراثي
" عندما تختزن الذاكرة ما تختزن ، وينطلق الأفراد والجماعات في ربط ما يحدث بما حدث وبما يودون أن يحدث ، يولد التمثيل ويتصل الحاضر بالتراث " .هكذا كان حال المسرح العربي منذ نعومة أظفاره . وقد ظل السيد حافظ مخلصا للتراث ، لا يتوانى عن استثمار مخزونه . ومن هنا نجده في مسرحيتنا يثبت هذا الوفاء ، وهو يمتح من التراث والتاريخ ، ولا يقطع صلته مع الذاكرة العربية والإسلامية .. وذلك ما يتجلى في استحضاره للعديد من شخصيات التراث وأبطال التاريخ ، في مقدمتها [ جوربي – بطرس غالي – بوش- تاتشر- شوارسكوف – عكرمة –صلاح الدين –طومان – الملك فاروق ..إلخ ].
3-3-7- البعد الأرتي
يتجلى في استثمار بعص تقنيات أنطونان أرتو A. Artaud التي نظر لها في بيانات القسوة إذ يرى أنه " لا بد من عنصر القسوة في أساس كل عرض ، وإلا يصبح المسرح مستحيلا " . وهو يشدد على أن المسرح ليس مجرد تمثيل وإنما هو الحياة ذاتها ، الحياة كأصل غير قابل للتمثيل ، " إنه الحياة نفسها بكل ما فيها من متعذر على التمثيل . "
هذا الحضور الأرتي ترك بصماته على النص ، بدليل الصراخ والبكاء ، والهياج والثورة ، كما في نهاية حفل التكريم ، حيث يصدم [فاضل ] بالوسام ، فيثور ، ويقذف بكل شيء .ولعل أبرز مظهر للقسوة يتجلى في عنصر الاستفزاز الذي غلف المسرحية من بدايتها إلى نهايتها وهو ما يفصح عنه بجلاء استفزاز [محروس ]ل [فاضل ] ومن أبسط مظاهره : استفزاز الممرضة [ سنية ] ل [فاضل ] :
"سنية : آه يا قليل الأدب ..يا صايع .. يا ضايع يا لمامة الحواري يا فلاح ."
وعموما فكل ما من شأنه " خلق الصدمة والإحساس بالقسوة التي لا تطاق : صراخ – استغاثة – ألم ، أصوات غريبة .." هو بالضرورة مولد للقسوة .
8- البناء الدراماتورجي
ونحن نتحدث عن البناء الدراماتورجي ، لا نقصد غير الإرشادات المسرحية Indications didascalies تلك التي يرصد فيها الكاتب المسرحي تصوره للعملية الإخراجية ، باعتبارها خزان " معلومات تحدد الظرف أو السياق الذي يبنى فيه الخطاب المسرحي . وهذه الإرشادات تغيب في العرض كنص لغوي ، وتتحول إلى علامات مرئية أو سمعية ".
1-8 الإرشادات المتعلقة بالشخصيات
وهذا النوع من الإرشادات يبين أسماء الشخصيات والمعلومات الخاصة بكل منها . يقول حافظ مقدما لنا شخصية [ بدر ]: " يدخل شاب عربي في العشرينات ، يرتدي فانلة عليها صورة بوش والعلم الأمريكي وطاقية ، وهو في حالة سكر . "
فهذا الإرشاد مثلا يزودنا بمعلومات كافية عن جنس الشخصية ، وسنها ، وهويتها ، وشكلها الخارجي ، وحالتها [ فاقدة للوعي ] .
كما تعمل الإرشادات على تقديم معلومات أخرى ، تخص أداء الشخصيات ، قد تفيد تحديد حركاتها وسكناتها وانفعالاتها ونبراتها ولهجاتها .. وغير ذلك . وهذا شاهد من النص: " صوت عربات وصفارات رئاسة الجمهورية .. الكل بيجري ويهرول خارج المسرح ، وصوت تحيات .. يظل على المسرح فاضل وفاطمة في بقعة ضوء .. نسمع صوت قلبه يدق مع فاطمة في رهبة وخوف " .
ومفاد هذا الإرشاد توضيح حركة الشخصيات ، وانفعالاتها ، وردود أفعالها، نتيجة مفاجأتها بزيارة الرئيس . بل إنه يعلمنا حتى بنبرات [ فاضل ] وأحاسيسه الداخلية ، إذ يوحي الإرشاد بحالة الخوف التي تنتابه وزوجته ، إضافة إلى تصوير خفقان قلبه .
كما أن هاته الإرشادات قد تحدد وضع الشخصيات ، وحركتها ومكانها على الخشبة، كما في المثال:
" يظهر من الخلف فاضل وفاطمة وهما يتجهان إلى موظف استعلامات " .
فالشخصيتان تتحدثان من خلفية الخشبة نقطة انطلاق .وفضلا عن هذا ، فإن أسماء الشخصيات المتحاورة ، الثابتة بجانب الحوار على امتداد النص المسرحي ، تشكل هي الأخرى جزءا من الإرشادات المسرحية .
وأخيرا تجدر الإشارة إلى أن هذه الإرشادات قد تزودنا من جهة ، بمعلومات على شكل نص مواز للحوار ، تأخذ اسم النص الخارجي Meta-texteتقوم بوظيفة إيعازية . مثلا :
" محروس : ( يفتح محفظته ) خذ يابني عشرة جنيه وشيل الكشك دا من هنا " .
ذلك أن جملة ( يفتح محفظته ) أمام الحوار تشكل نصا إيعازيا / أمرا يوجه للشخصية: " قل هذه العبارة وأنت تفتح محفظتك ".
ومن جهة أخرى ، قد تأخذ الإرشادات صورة معلومات متضمنة في الحوار ،كالتالي :
" محروس : أيوه الراديو أهه( يشير إلى الراديو ) الراديو اهه خليه يديك تصريح " .
2 -8 الإرشادات المتعلقة بفضاء اللعب – الخشبة
هذا النوع يطلق عليه اسم : إرشادات الخشبة ، وهو يزودنا بمعلومات حول الديكور ، والإنارة، والموسيقى ، والمؤثرات السمعية / البصرية .. وهلم جرا .
ومن أمثلتها ما يلي :
إرشاد خاص بالديكور
" ضوضاء في كل مكان في المسرح .. في الممر المؤدي لحجرة العنبر قد وضع سرير بالمقلوب ، وقد وضعت كراسي كأننا في حالة معركة .."
إرشاد خاص بالإنارة
" يدور الكشك ويتحول إلى خندق ، وأضواء الكاباريه كأنها أضواء المعارك على المسرح .."
إرشاد خاص بالموسيقى
"المسرح كله في موسيقى حالمة .. ثلاث بقع ضوء على فاطمة -..فاضل ..السفير ..صوت المجاميع في الخلفية كأنه موسيقى حالمة .. مع حركة أشبه في موكب آخر حالم . "
إرشاد خاص بالمؤثرات السمعية / البصرية
" يصفقون بحرارة ، ويرشون زهور الورد الورق " .
إلى غير ذلك من الإرشادات التي تكمن وظيفتها في تنظيم الخشبة .
- على سبيل الخاتمة :
ماذا عساني أقول ، بعد هذه الجولة في حديقة السيد حافظ ! تكاد لا تسعفني الكلمات . كل ما بإمكاني قوله : إن " وسام من الرئيس " نص يغري بالقراءة ، لما يلم به من قضايا إنسانية تمس الإنسان العربي المقهور بصفة خاصة ، والإنسان المصري بصفة أخص ، مما يؤكد أن حافظا كتلة من المشاعر المتحركة ، المنفعلة – أقصى درجات الانفعال – بما يمور حولها . زد على ذلك ما يفتحه هذا الرجل من آفاق للتجريب ، ذلك بأنه قاوم الظروف وظل يحذو النعل بالنعل ، حتى بلغ بتجريبه أعلى عليين في مقام أمين .. في الطليعة .. مع من يحمل وزر المسرح .. مع من يبحث فيه عن الداء ويصف له الدواء .. مع الذين يتعهدونه بالرعاية والعناية . ولقد صدق من قال إن حافظا يشكل وحده مدرسة مسرحية . يكفي أنه خلص المسرح العربي من عادة الاجترار : اجترار المواقف والأفكار والتقنيات .. فابتكر لمسرحه أساليب جديدة ، وظل صامدا في وجه كل التحديات ، وفي صمود رجالات المسرح العربي تثبيت لخطاه ، وتحقيق لإرادة صموده ، وهو ما رمى إليه حافظ بقوله : إن " المسرح في الموطن العربي يحقق كل يوم إرادة الصمود . " ولعل هذا ما يبرر محاولات هذا المسرح لتجاوز الصعاب - وما أكثرها – سعيا إلى توثيق الصلة مع جمهوره وكسب اطمئنانه ورضاه .























المصادر والمراجع
المصادر
1-1 – المصادر العربية
القرآن الكريم
ابن منظور ، لسان العرب المحيط، دار الجيل بيروت / دار لسان العرب – بيروت ، ط1988، مج 2/ مج6
السيد حافظ، الأشجار تنحني أحيانا ( 9مسرحيات تجريبية ) ،مطبعة الفتح ، القاهرة ، 1992
السيد حافظ ، وسام من الرئيس ( مسرحية كوميدية ) ، العربي للنشر والتوزيع ، ط1- 1997
2-1- المصادر المترجمة
ليونيد اندرييف، مسرحية "حياة أنسان "، ترجمة ، يوسف حلاق ، سلسلة إبداعات عالمية ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، دولة الكويت ،ع 314 –نوفمبر 1988
3-1- المصادر الفرنسية
Alfred Jarry, Ubu ( Ubu Roi ) Classiques Français,Booking International , Paris ,Janvier 1995
المراجع
1-2- المراجع العربية
أحمد بلخيري، دراسات في المسرح ، مطبعة فضالة ، المحمدية ، المغرب ، ط1-2001
حسن رامز محمد رضا ، الدراما بين النظرية والتطبيق ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ط1-1972
حسن يوسفي ، المسرح ومفارقاته ، مطبعة سندي ، مكناس ، ط1- 1996
خالد أمين ، الفن المسرحي ، وأسطورة الأصل ، الطوبريس ، ط1-2002
سعيد بنكراد، السيميائيات السردية ، مدخل نظري ، منشورات الزمن ، 2001، الكتاب [29]
سعيد الناجي ، التجريب في المسرح ، مطبعة دار النشر المغربية ط1- 1998
السعيد الورقي ، تطور البناء الفني في أدب المسرح العربي المعاصر في مصر ، دار المعرفة الجامعية، اسكندرية –مصر ، 1990
شاكر عبد الحميد ، الفكاهة والضحك – رؤية جديدة – سلسلة عالم المعرفة ع.289ينايلر 2003
عبد الفتاح الحجمري ، عتبات النص ، البنية والدلالة ، منشورات الرابطة ، الدار البيضاء ط1- 1996
عبد القادر القط ، من فنون الأدب المسرحية ، دار النهضة العربية للطباعة والنشر ، بيروت 1978
عصام الدين أبو العلا ، نظرية أرسطو طاليس في الكوميديا ، مكتبة مدبولي 1993
محمد عزيز نظمي ، السيد حافظ بين المسرح التجريبي والمسرح الطليعي ، سلسلة رؤيا ، الإسكندرية ، مصر 1989
محمد قيسامي ، حوار مع الكومنيديا ، مطبعة تريفة ، ط1- 1998
مصطفى رمضاني ، قضايا المسرح الاحتفالي ، منشورات اتحاد كتاب العرب 1993
ماري إلياس / حنان قصاب حسن ، المعجم المسرحي ، مفاهيم ومصطلحات المسرح وفنون العرض ، ممكتبة لبنان ، ناشرون ، بيروت لبنان – ط1- 1997
نبيل راغب ، دليل الناقد الأدبي ، مكتبة غريب .
نعيم عطية ، مسرح العبث ، مفهومه جذوره ، أعلامه ، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1992
دراسات في مسرح السيد حافظ ، ج1 ، مكتبة مدبولي 1988
2-2-المراجع المترجمة:
أرسطو طاليس ، فن الشعر ، ترجمة : عبد الرحمن بدوي ، دار الثقافة بيروت – لبنان ، 1952
أريكا بينتلي ، نظرية المسرح الحديث ، ترجمة : يوسف عبد المسيح ثروت ، دار الشؤون الثقافية العامة ، وزارة الثقافة والإعلام ، 1975
برتولد بريخت ، نظرية المسرح الملحمي ، ترجمة جميل نصيف ، علم المعرفة ، بيروت – لبنان
جاك دريدا ، الكتابة والاختلاف ، ترجمة كاظم جهاد ، سلسلة المعرفة الفلسفية ، دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء –المغرب ط1-1988
موسوعة المصطلح النقدي ، ترجمة : عبد الواحد لؤلؤة ، سلسلة الكتب المترجمة ( 120) ، دار الرشيد للنشر ، منشورات وزارة الثقافة والإعلام ، الجمهورية العراقية ،1982
3-2- المراجع الفرنسية
A.J Greimas, Sémantique structurale, recherche de méthode,Librairie Larousse,Paris ,1966
Anne Ubersfeld,Lire le Théâtre, classiques du peuple( critique ) , edition s sociales,Paris , 1978.
Gérard Genette ,seuils ;ed. du seuils, Paris Février 1987.
Jean Michel Adam, Le récit ,Edition (P.U.F)coll.
Michel Corvin,Le Théâtre Nouveau en France , Presses universitaires de France , Paris ,7e édition mise a jour, Février 1995
Patrice Pavis,Dctionnaire du Théâtre ,Termes et concepts de l’analyse théâtrale ,Editions sociales,Paris , 1980
الرسائل والأطاريح
بنيونس الهواري ، إشكالية التجريب في مسرح السيد حافظ ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في الأدب العربي ، تحت إشراف د. مصطفى رمضاني ، السنة الجامعية 1999-2000(رسالة مرقونة بخزانة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة )
مصطفى رمضاني ، توظيف التراث في المسرح العربي ، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الأدب العربي ، تحت إشراف د. عباس الجراري ، السنة الجامعية 1992-1993، ( أطروحة مرقونة بخزانة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة) ، ج2
المجلات
إسماعيل الامبابي ، الإبداع والتجريب في مسرح السيد حافظ ، مجلة المعرفة س22-ع.254، أبريل 1983
جميل حمداوي ، السيميوطيقا والعنونة ، مجلة عالم الفكر ، مج 25،ع.3-1997
السعيد الورقي ، السيد حافظ وأزمة الإنسان المعاصر ، مجلة الثقافة العربية ، س10-ع.3- 1983
عبد الرحمن بن زيدان ، الفن الدرامي الجدلي ونقد الدراما التقليدية ، بين المسرح الملحمي والماركسية والعبثية ، مجلة البيان ( الكويتية ) ع.332مارس 1998
محمد الكغاط ، المسرح والتراث ، مجلة الثقافة المغربية ، س2- ع.7 –ماي –يونيو –1992
مصطفى رمضاني ، الحركة التجريبية في المسرح المغربي المعاصر ، مجلة الكويت ع77يناير 1989
نهاد صليحة ، الضحك والكوميديا في المسرح ، احتفالية تصالحية أم كرنفالية تفكيكية ؟ مجلة المسرح ع60-نوفمبر 1993
وديعة طه النجم ، الفكاهة في الأدب العباسي ، مجلة عالم الفكر ، مج 13 –ع.3- أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر –1982




* الجرائد
1- محمد بو عزة ،2- رواية الإشكال ،3- قراءة في " فقهاء الظلام " و " الريش " و " معسكرات الأبد " لسليم بركات ،4- العلم الثقافي ( ملحق أسبوعي يصدر عن جريدة العلم المغربية كل سبت ) ع.19238
5- مصطفى رمضاني ،6- الكاتب المسرحي السيد حافظ : " المسرح العربي يحقق كل يوم إرادة الصمود " جريدة الميثاق الوطني ،7- الخميس 31دجنبر 1992

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق